اقتصاد

الأحد 22 فبراير 2026 12:26 مساءً - بتوقيت القدس

السعودية تفتح مساراً استثنائياً للتعاقد الحكومي مع الشركات العالمية بلا مقرات إقليمية

أصدرت هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية في المملكة العربية السعودية توجيهات جديدة للجهات الحكومية، توضح فيها كيفية التقدم بطلبات استثناء للتعاقد مع الشركات العالمية التي لم تؤسس مقراً إقليمياً لها داخل البلاد. وتأتي هذه الخطوة لتنظيم العمليات التعاقدية وضمان استمرارية المشاريع الحيوية التي قد تتطلب خبرات تخصصية غير متوفرة محلياً في الوقت الراهن.

وأوضحت الهيئة أن تقديم هذه الطلبات يجب أن يتم حصراً عبر منصة 'اعتماد' الإلكترونية، وهي البوابة الرسمية للخدمات المالية الحكومية. ويشترط النظام الجديد أن يتم رفع طلب الاستثناء قبل البدء في إجراءات طرح المنافسة العامة أو الشروع في خطوات التعاقد المباشر مع الشركات الأجنبية المعنية.

ويأتي هذا التحرك التنظيمي في سياق تطبيق ضوابط قرار 'نقل المقرات الإقليمية' الذي بدأ العمل به رسمياً مع مطلع عام 2024. ويهدف القرار في جوهره إلى قصر التعاقدات الحكومية الضخمة على الشركات التي تختار الرياض مركزاً لعملياتها في منطقة الشرق الأوسط، مع وجود مرونة للتعامل مع الحالات الخاصة.

ووفقاً للضوابط المعلنة، فإن الشركات التي لا تمتلك مقراً إقليمياً في السعودية لا تُمنع من التقدم للمنافسات العامة، إلا أن قبول عروضها يظل مشروطاً بمعايير صارمة. وتتضمن هذه المعايير عدم وجود أكثر من عرض واحد مقبول من الناحية الفنية، مما يضطر الجهة الحكومية للتعامل مع الشركة الأجنبية لضمان تنفيذ المشروع.

كما تتيح الضوابط قبول عرض الشركة التي لا تملك مقراً إقليمياً إذا كان عرضها هو الأفضل فنياً، وبشرط أن يكون سعرها أقل بنسبة 25% أو أكثر مقارنة بثاني أفضل عرض مقدم. هذا الفارق السعري الكبير يهدف إلى تحقيق كفاءة الإنفاق الحكومي في الحالات التي توفر فيها الشركات العالمية ميزة تنافسية استثنائية.

وفيما يخص المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فقد حدد القرار استثناءً تلقائياً للمشاريع التي لا تتجاوز تكلفتها التقديرية مبلغ مليون ريال سعودي. وقد منح النظام للوزير المختص صلاحية تعديل هذا الحد المالي أو إيقاف العمل به، وذلك بناءً على ما تقتضيه المصلحة العامة ومتطلبات السوق المحلي.

وقد أثار تداول هذه الأنباء في بعض الوسائل الإعلامية الدولية جدلاً حول دلالات القرار، حيث ذهبت بعض التقارير لوصفه بأنه تراجع عن السياسة الاقتصادية للمملكة. إلا أن مصادر إعلامية سعودية بارزة نفت هذه التفسيرات، مؤكدة أن الاستثناء هو جزء أصيل من الضوابط المعلنة مسبقاً وليس تغييراً في التوجه الاستراتيجي.

وأكد الإعلامي عضوان الأحمري أن الاستثناء يستهدف الشركات التي لا تملك مقرات إقليمية في المنطقة أصلاً، وليس الشركات التي اختارت دولاً أخرى مقراً لها. وأشار إلى أن بعض الصحف الإقليمية والدولية أخطأت في توصيف القرار حين اعتبرته تراجعاً عن خطة جذب الشركات العالمية إلى العاصمة الرياض.

وتشير الأرقام الرسمية إلى نجاح لافت في سياسة جذب الاستثمارات، حيث تجاوز عدد الشركات العالمية التي نقلت مقراتها إلى الرياض حاجز 700 شركة بحلول أوائل عام 2026. وهذا الرقم يتجاوز بكثير المستهدف الأولي الذي وضعته الحكومة والبالغ 500 شركة بحلول عام 2030، مما يعكس ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال السعودية.

وتهدف الحكومة من خلال برنامج نقل المقرات الإقليمية إلى ترسيخ مكانة المملكة كمركز مالي وتجاري رائد في المنطقة والعالم. كما تسعى من خلال هذه السياسات إلى تعزيز توطين الوظائف النوعية ونقل الخبرات الدولية المتقدمة إلى الكوادر الوطنية، والحد من التسرب الاقتصادي الناتج عن الإنفاق الحكومي.

وتلعب منصة 'اعتماد' دوراً محورياً في هذا التحول الرقمي، حيث تهدف إلى رفع مستوى الشفافية في المنافسات الحكومية وإدارة العقود بشكل متكامل. وقد أطلقت المنصة خدمة طلبات الاستثناء منذ نوفمبر الماضي لتسهيل الإجراءات البيروقراطية وضمان سرعة البت في الطلبات المقدمة من الجهات الحكومية المختلفة.

وشددت المصادر الحكومية على أن هذه السياسة لا تهدف بأي حال من الأحوال إلى التضييق على الاستثمار الأجنبي أو الحد من نشاطه. بل على العكس، تسعى المملكة لتحفيز الشركات على الاندماج بشكل أعمق في الاقتصاد المحلي وتوطين عملياتها بما يخدم المصالح المشتركة للقطاعين العام والخاص.

إن المرونة التي تبديها هيئة المحتوى المحلي في تطبيق الضوابط تعكس واقعية اقتصادية توازن بين الطموحات الوطنية والاحتياجات الفنية للمشاريع الكبرى. فالمملكة تدرك أن بعض الصناعات التحويلية أو التقنيات الدقيقة قد تتطلب وقتاً أطول للتحول الكامل نحو التوطين الإقليمي داخل أراضيها.

ختاماً، يظل التزام المملكة بقرار نقل المقرات قائماً كركيزة أساسية في رؤية 2030، مع استمرار تطوير الآليات التنفيذية لضمان أعلى مستويات الجودة. وتتوقع التقارير الاقتصادية أن تساهم هذه الخطوات في زيادة مساهمة المحتوى المحلي في الناتج المحلي الإجمالي وخلق آلاف الفرص الوظيفية الجديدة للسعوديين.

دلالات

شارك برأيك

السعودية تفتح مساراً استثنائياً للتعاقد الحكومي مع الشركات العالمية بلا مقرات إقليمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.