تشير القراءة المتأنية للمشهد السياسي الليبي الراهن إلى أن البلاد تقف على أعتاب تحول جذري، حيث لم يعد النقاش يدور حول احتمالية التغيير بل حول طبيعته ومداه. وتتضافر المؤشرات الدولية والإقليمية مع التحركات المحلية لترسم ملامح مرحلة انتقالية جديدة قد تنهي حالة الانسداد السياسي المستمرة منذ سنوات.
يبرز الحضور الأمريكي الأخير في مجلس الأمن، ممثلاً بمسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي، كإشارة قوية على رغبة واشنطن في الإمساك بزمام المبادرة. ويعكس هذا التواجد تحولاً من مجرد المراقبة إلى الانخراط الفعلي في إدارة الأزمة الليبية وتوجيه مساراتها نحو حلول عملية تخدم الاستقرار الإقليمي.
بالتوازي مع المسارات الرسمية، ينشط مسار تفاوضي موازٍ يجمع بين إبراهيم دبيبة ممثلاً لحكومة الوحدة الوطنية، وصدام حفتر ممثلاً لقيادة الجيش في الشرق. ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه الأكثر واقعية، كونه يجمع الأطراف التي تسيطر فعلياً على الأرض وتمتلك القدرة على تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
أكدت تصريحات المبعوثة الأممية هانا تيتيه على محورية الدور الأمريكي في البحث عن مخرج للنزاع، وهو دور يرتكز على ثلاث ركائز أساسية. تتمثل هذه الركائز في التوافق على تشكيل حكومة موحدة، وتوحيد الميزانية العامة، بالإضافة إلى وضع ترتيبات أمنية وعسكرية تمهد لتوحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة واحدة.
تأتي اجتماعات باريس وروما لتعزز هذا التوجه الدولي نحو دعم مقاربة الإنفاق التنموي الموحد وإنهاء الانقسام المالي. وتعتبر هذه الخطوات الاقتصادية مدخلاً ضرورياً لتهيئة الأرضية السياسية قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تعقيداً في ملف تقاسم السلطة والموارد.
على الصعيد العسكري، تبرز المناورات المشتركة التي تشرف عليها القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) كأداة لكسر الجمود بين القوات في الشرق والغرب. وتكرار هذه المناورات للمرة الثالثة يعكس رغبة دولية في بناء الثقة بين العسكريين الليبيين بعيداً عن التجاذبات السياسية الحادة.
إقليمياً، تلعب التفاهمات بين الأقطاب الثلاثة؛ تركيا ومصر والسعودية، دوراً حاسماً في إعادة صياغة المشهد الليبي. ويبدو أن هذه القوى تتجه نحو تنسيق مواقفها للحد من التدخلات الخارجية التي ساهمت في إطالة أمد الأزمة، وحماية مصالحها الحيوية في هذا البلد الاستراتيجي.
لم يعد السؤال في ليبيا هو إمكانية وقوع التغيير، بل تحديد اتجاهه وتقدير حجمه في ظل تحركات دولية وإقليمية متسارعة.
يرى مراقبون أن التوافق التركي المصري السعودي قد يؤدي إلى تقليص نفوذ أطراف إقليمية أخرى كانت تتبنى سياسات تصعيدية في ليبيا. هذا التناغم الإقليمي الجديد يوفر غطاءً سياسياً لأي تسوية قادمة، ويقلل من فرص إفشال الاتفاقات المحلية من قبل أطراف خارجية.
داخلياً، بدأت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس باتخاذ خطوات توحي باستعدادها لإجراء تغييرات وزارية واسعة. وتهدف هذه الخطوة إلى إرسال رسائل طمأنة للقوى الدولية حول مرونة الحكومة وقدرتها على التماهي مع المسارات التفاوضية الجديدة التي تدعمها واشنطن والعواصم الأوروبية.
في المقابل، أجرى المشير خليفة حفتر تغييرات في هيكلية قيادة الجيش، وهي خطوة فسرها محللون بأنها محاولة للاستجابة للضغوط الدولية المتزايدة. وتسعى قيادة الشرق من خلال هذه التعديلات إلى إظهار قدرتها على التكيف مع المتطلبات الجديدة وضمان مكان لها في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
يبقى نجاح هذا التغيير الحتمي رهناً بمدى تطابق الحراك الإقليمي مع الرؤية الأمريكية الجديدة للملف الليبي. ورغم وجود مؤشرات إيجابية، إلا أن التوترات الدولية والصدوع داخل الحلف الغربي قد تلقي بظلالها على سرعة وتيرة هذا التحول السياسي المنشود.
قد يكون الحراك الإقليمي الحالي تعبيراً عن قلق من نتائج السياسات السابقة، ومحاولة لاستغلال الهامش الذي وفره التدافع الدولي عقب قرارات البيت الأبيض الأخيرة. هذا التدافع خلق حالة من السيولة السياسية التي تحاول الأطراف الليبية والإقليمية استثمارها لتحقيق مكاسب مستدامة.
وسط هذه الصفقات والتحركات الكبرى، يبرز المجتمع الليبي كـ 'حاضر غائب' في معادلة التغيير، حيث يعاني من حالة شلل شبه تامة. ويترقب المواطنون ما ستسفر عنه تفاهمات قوى الأمر الواقع والتدخلات الخارجية، دون أن يكون لهم دور فاعل ومؤثر في صياغة مستقبلهم.
في الختام، يبدو أن ليبيا تتجه نحو تسوية تفرضها الضرورات الدولية والتوافقات الإقليمية أكثر مما تفرضها الإرادة الوطنية الخالصة. ويبقى التحدي الأكبر في مدى قدرة هذه الترتيبات الفوقية على الصمود أمام التحديات البنيوية العميقة التي خلفتها سنوات الانقسام والحرب.





شارك برأيك
ليبيا أمام مخاض سياسي جديد: هل تنجح الضغوط الدولية في فرض حكومة موحدة؟