محمد مسالمة: سيبدأ العمل بالنظام الجديد بداية العام الدراسي المقبل وسيُطبق أولاً على طلاب العاشر لهذا العام
د. وحيد جبران: النظام الجديد تحوّل مهم وواعد لكنه يستدعي قراءة متأنية فاحصة للإيجابيات والسلبيات
ثروت زيد الكيلاني: تطوير الثانوية العامة يحوّل التعليم إلى منصة للحرية الفكرية والتفكير النقدي والإبداعي والعدالة التربوية
د. علي الجريري: التفكير في تطوير الامتحانات ضرورة ملحة يجب أن لا تتوقف والارتجال كارثة تربوية
جميل حسني الكركي: نقلة نوعية ورؤية إيجابية والتخصصات تتوزع على مسارات أكاديمية ومهنية عدة
غسان عبد الله: ضرورة الالتزام بالمعايير المحلية والدولية لضمان نجاح النظام وذلك لن يتحقق من الخطوة الأولى فقط
قررت لجنة الامتحانات العامة اعتماد نظام "التوجيهي" الجديد بنظام العامين، بدءًا من العام الدراسي المقبل، وهو يركّز على المسارات التعليمية، حيث تُدرَّس المواد العامة في الصف الحادي عشر، ثم يتفرع الطلبة إلى مسارات متخصصة: الطبية والهندسية والعلوم الإنسانية والعلوم الشرعية والريادة والأعمال، إضافة إلى التعليم المهني، وسيُطبق أولاً على طلاب الصف العاشر لهذا العام.
واعتبر عدد من التربويين والمختصين في أحاديث لـ"ے" أنّ النظام الجديد يمثل تحولاً مهماً وواعداً، وفرصة سانحة لإعادة تعريف دور التعليم في بناء المستقبل المهني والمعرفي للطلبة، وفرصة لإعادة النظر في منظومة التعليم في فلسطين برمتها وإصلاحها، لكنه يستدعي قراءة متأنية فاحصة للإيجابيات والتحديات، فيما أكدوا أهمية دراسة مدى إمكانية تطبيق النظام المقترح بفاعلية وتحقيقه أهدافه إذا استمرت حالة غياب الاستقرار في فلسطين، واستمرت الأزمات التي تعصف بالتعليم وتؤدي إلى تعثر العملية التعليمية وإعاقة الوصول إلى أماكن التعليم، محذرين في الوقت ذاته من خطورة العشوائية والارتجال.
في هذا التقرير المفصّل تستعرض "ے" ميزات النظام الجديد وتفاصيله والتحديات التي تواجهه، وما يتطلبه ذلك من إعداد وخطوات لاحقة، إلى جانب الالتزام بالمعايير المحلية والدولية، لضمان فاعليته ونجاحه.
الطالب سيدرس المباحث المقررة في المسار الذي يختاره
أكد مدير عام الامتحانات بوزارة التربية والتعليم العالي محمد مسالمة أن نظام التوجيهي الجديد سيبدأ العمل به مع بداية العام الدراسي القادم 2026-2027، وسيُطبق أولاً على طلاب الصف العاشر لهذا العام.
وأشار إلى أن النظام سيمتد على مدار عامين، حيث سيتقدم طلبة الصف الحادي عشر لمباحث مشتركة، يُرجح أن يكون عددها أربعة.
وأضاف: أما في الصف الثاني عشر فسيختار الطالب أحد المسارات التالية: المسار الطبي، أو الهندسي والتكنولوجي، أو العلوم الإنسانية واللغات، أو الريادة والأعمال، أو المسار الشرعي، وذلك وفق ما يتم تحديده.
وأوضح مسالمة أن الطالب سيدرس المباحث المقررة في المسار الذي يختاره، وسيتقدم للامتحانات في جزء منها وليس جميعها، في الصف الثاني عشر.
وتابع مسالمة: "نحن حالياً في طور عقد اجتماعات ولقاءات بهدف الخروج بصيغة نهائية للنظام الجديد".
إعادة تعريف دور التعليم في بناء مستقبل الطلبة
وقال د. وحيد جبران، الخبير تربوي ومنسق مجموعة التعليم في الضفة الغربية: "طالما انتظرنا إصلاح وتطوير نظام التوجيهي في فلسطين ليصبح أكثر عدالة وشمولية، وأفضل مواكبة للمستجدات في سوق العمل والتطورات التكنولوجية والتعليمية".
ويرى جبران أن النظام الجديد المقترح للتوجيهي في فلسطين، الذي يمتد عامين ويعتمد على المسارات التعليمية، يمثل تحولاً مهماً وواعداً، وفرصة سانحة لإعادة تعريف دور التعليم في بناء المستقبل المهني والمعرفي للطلبة، وفرصة لإعادة النظر في منظومة التعليم في فلسطين برمتها وإصلاحها، لكنه يستدعي قراءة متأنية فاحصة للإيجابيات والتحديات.
تنويع الخيارات التعليمية للطلبة
وأشار إلى أن أهم الجوانب الإيجابية تتركز في تنويع الخيارات التعليمية وإتاحة المجال للطلبة لاختيار مسارات تتوافق مع ميولهم الأكاديمية والمهنية، ما يعزز الدافعية، ويسهم في مواءمة التعليم مع سوق العمل وإعداد الطلبة بمهارات عملية مطلوبة في السوق المحلي والإقليمي من خلال وجود مسارات مثل ريادة الأعمال والتعليم المهني.
وأضاف جبران: إن التدرج في التخصص مع توافر نظام إرشادي قوي والبدء بالمواد العامة في الصف الحادي عشر يتيح للطلبة فترة استكشاف قبل التخصص النهائي في الثاني عشر، فضلاً عن أن الانتقال إلى تقييمات متنوعة قد يعزز من العدالة والموضوعية ويخفف من مركزية الامتحان النهائي.
من جانب آخر، أكد جبران أن هذا النظام سيواجه تحديات يجب أخذها بالاعتبار من الآن وتدارسها والإعداد لمواجهتها، فمثلاً يتطلب تطبيق مسارات متخصصة تجهيز المدارس بمختبرات ومناهج ومعلمين متخصصين، وهو ما قد يواجه صعوبات في ظل حالة عدم الاستقرار، ويتطلب توفر الأموال لتحقيق ذلك، موضحاً أن اختلاف الإمكانات في التطبيق بين المدارس قد يؤدي إلى فجوات في العدالة وفي جودة التعليم وفرص الاختيار بين المسارات.
ولفت إلى أن غياب نظام قوي للإرشاد والتوجيه قد يدفع الطلبة لاختيار مسارات غير ملائمة لقدراتهم أو ميولهم، وإذا لم يتم تصميم المناهج الدراسية الملائمة لهذا التحول، فقد يعاني الطلبة من صعوبة الانتقال بين المسارات أو الاندماج في التعليم فيها.
وجوب الإعداد الجيد للنظام الجديد
ويرى جبران أنه ينبغي دراسة مدى إمكانية تطبيق النظام المقترح بفاعلية وتحقيقه أهدافه إذا استمرت حالة غياب الاستقرار في فلسطين، واستمرت الأزمات التي تعصف بالتعليم وتؤدي إلى تعثر العملية التعليمية وإعاقة الوصول إلى أماكن التعليم.
واوصى جبران بوجوب الإعداد الجيد لهذا النظام خلال العامين المقبلين، والتعلم من التجارب الدولية المشابهة التي تبنت مسارات مختلفة دمجت المسارات الأكاديمية والمهنية، مع التأكيد على نقل أفضل الممارسات بما يتناسب مع الواقع الفلسطيني، والبدء بحملة توعية شاملة خلال الفترة القادمة، واعتماد نظام تقييم مرن يجمع بين الاختبارات التحصيلية، المشاريع العملية، والتقييم المستمر، وتدريب المعلمين وتطوير البنية التحتية بما يتناسب مع متطلبات كل مسار، وتوفير نظام للإرشاد التربوي والمهني ابتداءً من الصف التاسع لضمان قرارات واعية عند اختيار المسار، فضلاً عن ضرورة الإعداد المدروس للمسارات المختلفة لضمان مواءمتها مع سوق العمل المتغير والتخصصات الجامعية.
محطة فاصلة في مسار الطالب الأكاديمي والوجودي
ويرى ثروت زيد الكيلاني، الخبير والمُستشار التربوي، أن امتحان الثانوية العامة في فلسطين يمثل رمزًا مركزيًا لمسيرة التعليم، يتجاوز كونه مجرد أداة لقياس التحصيل الدراسي، ليصبح مرآة تعكس تحديات المجتمع الفلسطيني ومحطة فاصلة في مسار الطالب الأكاديمي والوجودي.
وقال: "على مدار العقود، رسخ هذا الامتحان سلطته ليس بما يقيسه فحسب، بل بما يفرضه من ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية، متكئًا غالبًا على الحفظ والاستظهار، متجاهلًا أفق التفكير النقدي والابتكار وحل المشكلات الواقعية".
وأشار الكيلاني إلى أن التوجيهي أصبح رمزًا للمصير الأكاديمي وأداة تقيد حرية العقل، ومرجعًا جامعيًا صارمًا أحيانًا، على حساب المهارات الحقيقية للطالب وقدرته على التعلم المستمر، حتى تحوّل التعليم إلى اختبار لحظي للذاكرة أكثر منه رحلة متكاملة للمعرفة.
ويرى الكيلاني أن هذا النمط من الامتحانات يضيق الأفق التربوي، ويحد من تراكم المعرفة وتنمية المهارات، في حين يثقل كاهل الطالب والأسرة بضغوط مستمرة، ويقصر جاهزية الفرد لمواجهة تحديات الحياة.
وأوضح أن اعتماد الجامعات على المعدل وحده يعمّق الجمود الأكاديمي ويقصي القدرات الإبداعية والاجتماعية والقيادية، ليصبح التقييم معيارًا ظاهريًا لا يعكس الكفايات الحقيقية للطالب.
ربط المعرفة النظرية بالمهارات العملية
وأكد أن إعادة تصور الامتحان والمناهج بشكل متكامل، مع الفصل بين المستوى العام والمستوى المتقدم، يربط المعرفة النظرية بالمهارات العملية والكفايات العليا، ويتيح للطالب اختيار المسار الذي يناسب قدراته وطموحاته، ليعيد دوره الفاعل في رحلة تعلمه، ويحرره ليصبح مبدعًا وناقدًا، قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بثقة واستقلالية.
ولفت الكيلاني إلى أنه بهذه الطريقة، تتحول الثانوية العامة من محطة اختبارية ضيقة إلى تجربة شاملة للنمو المعرفي والإنساني والاجتماعي، تجربة تنبض بالحرية والاكتشاف والمسؤولية، وتؤسس لجيل فلسطيني واعٍ ومبتكر، قادر على المنافسة والمساهمة الفاعلة في مجتمع متجدد ومستدام.
تطوير نظام التقويم التربوي لجميع المراحل الدراسية
ويرى الكيلاني أن تطوير نظام التقويم التربوي لجميع المراحل الدراسية والمسارات التعليمية يشكل محورًا استراتيجيًا، ليصبح منظومة متكاملة ومنسجمة تدعم التعلم المستمر، وتوجه نمو الطالب على نحو متوازن وشامل، لافتاً إلى أن الثانوية العامة تندرج ضمن هذه المنظومة كعنصر مركزي، لا كاختبار لحظي أو محطة فاصلة، بل كحلقة أساسية تربط بين المراحل التعليمية المختلفة، وتتيح للطالب الانتقال بسلاسة نحو التعليم العالي والمساهمة الفاعلة في المجتمع وسوق العمل، دون أن يقتصر التقييم على نتائج الثانوية العامة وحدها.
ويعتقد أن الاستحقاقات الأساسية تتوزع على عدة محاور: إعادة تعريف النجاح والرسوب، وتنويع آليات القبول الجامعي بحيث تكون نتائج الثانوية العامة جزءًا من التقييم الشامل للقدرات الأكاديمية والتحليلية والشخصية والاجتماعية والإبداعية، وتعزيز التعليم التقني والمهني، وتحديث التشريعات والسياسات، وتنظيم التشكيلات المدرسية والمسارات، وتوظيف التكنولوجيا للتقويم المستمر، وتقييم القدرات الفردية والشخصية.
وقال: "من خلال هذه الركائز، يتحول التقويم من قيد إلى محرّك للتمكين، يمنح الطلاب الحرية في التعلم، ويجعلهم محور العملية التعليمية، ليولد جيلًا مبتكرًا، قادرًا على المنافسة والمساهمة في صناعة مجتمع فلسطيني واعٍ، متعلم، ومسؤول، مع شمولية التقييم لكل مراحل ومسارات التعليم".
نقلة نوعية من قياس الحفظ إلى قياس الكفايات العليا
وأشار الكيلاني إلى أن إعادة تصميم الامتحان تتطلب نقلة نوعية من قياس الحفظ والاستظهار إلى قياس الكفايات العليا التي تجسد جوهر التعلم، مثل التفكير النقدي والتحليل والإبداع وحل المشكلات الواقعية".
وأضاف: "ينبغي ربط الامتحان بالمعرفة المتراكمة والكفايات العملية عبر دمج مهارات الحياة، والعمل الجماعي، والقدرات الرقمية، بما يجعل نتائجه انعكاسًا صادقًا لكفايات تؤهل الطالب للتعليم العالي وسوق العمل. وفي هذا السياق، تشكل محاكاة التجارب الدولية (مثل SAT وIB) سبيلًا لتبني بنوك أسئلة متدرجة وموثوقة تضمن العدالة والموضوعية".
آليات الامتحان والأفق الاستراتيجي والمستقبلي
وبخصوص آليات عقد الامتحان، قال الكيلاني: "تستند هذه الرؤية إلى مرونة اختيار المواد والمحاولات بحيث يتاح للطالب إعادة التقدم بحرية وبخطوات متدرجة، بعيدًا عن حصر مستقبله في تجربة واحدة فاصلة. كما يتطلب الأمر تطوير بنوك أسئلة وطنية متجددة تعكس الكفايات العليا وتدمج التقييم بالمشاريع البحثية والأنشطة اللاصفية، لتوسيع دائرة الحكم على الطالب. ويكمل هذا التوجه استخدام التكنولوجيا للشفافية والمتابعة من خلال إصدار نتائج فورية موثقة، وتعزيز قنوات الربط بين المدارس والجامعات، بما يضمن عدالة الإجراءات ومواءمتها مع الاستحقاقات الوطنية".
وبشأن الأفق الاستراتيجي والمستقبلي قال: "في المحصلة، يصبح الامتحان جزءًا من رؤية أوسع تقوم على دمج التعليم العام مع التقني والمهني ضمن استراتيجية متكاملة، بحيث يتحول من أداة ضغط واستبعاد إلى أداة تمكين وتنمية. وبهذا يعكس الامتحان القدرات الفردية لكل طالب، ويفتح أمامه أفقًا أرحب للمساهمة في التنمية المستدامة، وفي بناء مجتمع فلسطيني متعلم ومسؤول ومبتكر".
وختم الكيلاني حديثه بالقول: "إن تطوير الثانوية العامة ليس مجرد تعديل إداري، بل فعل سيادي يعيد تشكيل الإنسان الفلسطيني والمجتمع ككل. إنه تحويل التعليم إلى منصة للحرية الفكرية، للتفكير النقدي والإبداعي، وللعدالة التربوية، مع ضمان التكامل بين المسارات التعليمية، مشدداً على أن القرار الجريء اليوم يطلق جيلًا متوازنًا قادرًا على المنافسة محليًا وعالميًا، ويضع التعليم في قلب التنمية المستدامة والتحول المجتمعي. وتظل المسؤولية على الجهات المعنية لضمان الجاهزية الكاملة، وتوفير كل الاستحقاقات والظروف، لتصبح التجربة التعليمية قوة تمكين حقيقية، لا مجرد أداة ضغط أو رمز شكلي، بل مسارًا للاكتشاف والنمو والمعرفة نحو مجتمع فلسطيني متعلم، مبتكر وفاعل".
الفكرة طُرحت قبل خمس سنوات ولم يتم تحضير المناهج
بدوره قال د. علي الجريري، الأكاديمي والتربوي وواضع مسارات أكاديمية في اللغات والترجمة والإعلام في الجامعات والكليات الفلسطينية: "إن التفكير في تطوير الامتحانات ضرورة ملحة يجب أن لا تتوقف، والارتجال كارثة تربوية لا يجوز المغامرة بها، وهنا يجب أن يبدأ العدّ من تطوير المناهج وليس العكس، قياساً على تجربة أواخر التسعينيات عندما قرروا تطبيق نمط تعليمي قديم بعد أن ثبت فشله خليجياً، ممثلاً في تطبيق نظام معلم الصف بدلاً من معلم المجال والاختصاص، وبعد عشر سنوات أثبت فشله، وتخلت الوزارة عنه بعد إرباك المعلمين والمشرفين، وتراجع تحصيل الدارسين، مشيراً إلى أن الفكرة الجديدة طرحت قبل خمس سنوات ولم يجر تحضير المناهج الخاصة بذلك، ونخشى ما نخشاه أن يقع تلاميذ المدارس ضحية تجربة مرتجلة وغير مدروسة.
وأوضح الجريري أن "مبررات طرحها قائمة، ومسبوقة في عديد دول العالم، فمدة الدراسة الأساسية قبل الجامعة عشر سنوات، وكان نظام "الماترك" الفلسطيني يكفي لدخول الطالب الجامعة واستكمال دراسته الجامعية"، لكنه أضاف: إن هذا النظام قام على تكثيف وتركيز المناهج وليس بنفخها وتفريعها، والسؤال هنا: هل وضعت الوزارة خططاً لترشيد محاور الدراسة العلمية والإنسانية؟ وهل التفريع منطقي وحصر العلوم في الطب والهندسة؟ وما دام المسار العلمي قد احتوى على معارف علمية عدة، فلماذا لم تضمن العلوم الشرعية ضمن المسار العلوم الإنسانية والاجتماعية؟
مخاوف بسبب انهيار نظم في التعليم الجامعي
ولاحظ الجريري أن عدداً كبيراً من أشهر الجامعات أخذت تستجدي تسجيل الطلاب بإعلانات مكثفة، لمسار تعليمي أسمته لقب علوم الجغرافية والتاريخ، وبعضها لغات، وبعضها تكثر من رجاء الطلاب من كافة المحافظات لإكمال شعبة لغة عربية، ما يعكس عزوف الطلاب عن التوجه إلى دراسة هذه المسارات، ليس بسبب تكدس الخريجين الجامعيين من هذه التخصصات دون وظائف، إضافة إلى سوء آلية التوظيف، علاوة على ضعف الكادر التعليمي والأكاديمي، والضعف الواضح في إتقان اللغات، ما دفع بالوزارة إلى دمج اللغات بالمسارات الإنسانية، وهو ما يدفع الجامعات تباعاً لتغيير مساراتها التعليمية واتباع مسارات مدمجة كمسار اللغات والإعلام، ومسار العلوم الاجتماعية، ومسار العلوم الصحية.. وهكذا.
وأعرب الجريري عن خشيته من أن تكون هذه الدعوة لتغطية الاستجابة لتغير المناهج تبعاً لإملاءات الدول المانحة والمؤيدة لشروط الاعتراف المشروط بفلسطين، مع ما سبقه من تسريبات بتكلفة طباعة المناهج الجديدة ملياري دولار، وهكذا لا يظهر بشكل مباشر كأن سلطة المناهج استجابت للاشتراطات على حساب الثقافة والهوية الوطنية.
وفي سياق تفاصيل النظام الجديد، أضاف الجريري: النظام الجديد مطبق في المدارس الأهلية الخاصة كمدارس الفرندز والفرير ومنتسوري من خلال البكالوريا الدولية ومثيلاتها، والأصل تطبيقه على المناهج الوطنية من الصف العاشر، ويعتمد على المسارات التعليمية المتخصصة، مع تعديل في الصفين العاشر والإعادة في الحادي عشر، وتخصيص الثاني عشر للجامعات كدراسة مشروطة بمسارت استكمالية في أحد المسارات التعليمية التالية:
مسار العلوم التطبيقية، ويشمل الطب والهندسة والرياضيات والنظم الإلكترونية، ونحوها
العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويشمل الللغات والترجمة والأدب والإعلام، والثقافة الوطنية، والاجتماعيات، والديانات، والفلسفات، والعلوم السياسية، وكذلك التعليم المهني والتقني، الزراعي والصناعي، والسياحة، والفنون، ويشمل ريادة الأعمال.
أهداف طموحة.. ولكن!
ويرى الجريري أن هذه الأهداف ترتبط بالاستقلال التام وطنياً واقتصادياً ومالياً وتنموياً، ولا يمكن تطبيقها في حالة الاقتصاد التابع أو المرتبط أو الملحق.
وقال: "أما تحسين التعليم من خلال "المدارس التفاعلية بلا كتب" مع انعدام مشاريع إنتاجية حقيقية توفر فرص عمل كافية ، فإنه غير ممكن، كما في طروحات سابقة مثل "توفير حاسوب وإنترنت لكل تلميذ"، طموح جامح محلق وغير عملي، ولهذا أخذ التعليم الجامعي ينهار عندما تحولت الجامعات إلى مقاهٍ للطلبة والطالبات دون كتب ومذكرات وأقلام، وتحول التعليم الجامعي إلى دفع أقساط وتمضية أربع سنوات جامعية من عمر المتعلمين للحصول على لقب جامعي فارغ من كل مضمون، والنتيجة هذا العزوف المخيف من الالتحاق في عشرات المسارات والتخصصات، وجيوش الخريجين العاطلين عن العمل".
وبخصوص توسيع التعليم المهني، قال الجريري: "أثبتت التجربة القائمة بالتوسع في تطوير الكليات المهنية إلى جامعات وزيادة عدد الوحدات، أنها لم تأت بالنتائج المرجوة منها، بل ربما بحاجة إلى التفكير الجدي بدمج الوحدات المتداخلة كوحدات كهرباء السيارات مثلاً بوحدات الميكانيكا، والنظم الكهربائية بالهيردوليكية وتقنيات التنقيب وإنتاج الطاقة.
وأشار إلى تعزيز قدرات الطلاب في مجالات مثل القراءة والكتابة (القرائية) والعلمية (Stem). وقال: إن هذا الهدف يتناقض مع هدف إلغاء الكتب المدرسية، وتحول التعليم إلى مسارات حكواتية مرتجلة، عوضاً عن تنظيمها في أعمال مسرحية ممتعة، ودمج مسارات ومهارات علاج معوقات التواصل التعليمي.
وختم الجريري بالقول: "مع تمنياتي بنجاح التجربة إلا أن الأمر يستحق دراسة وحملة توعية مكثفة لا تقتصر على العاملين العموميين في هذا المجال".
تخطيط حريص على المسيرة التعليمية
بدوره، يرى الأستاذ جميل حسني الكركي، المشرف التربوي لمبحث اللغة العربية في القدس الشريف سابقاً، وعضو مشارك في تأليف المنهج الفلسطيني لمبحث اللغة العربية سابقاً، أن نظام العامين المتتاليين لامتحان التوجيهي نقلة نوعية ورؤية تربوية إيجابية.
وأكد أن خارطة الطريق لتطبيق هذا النظام تنم عن التخطيط الحريص على المسيرة التعليمية، موضحاً أن التخصصات تتوزع على مسارات أكاديمية، ومسارات مهنية عديدة.
مميزات النظام الجديد وما يتطلبه
وأشار الكركي إلى أهمية هذا النظام متطرقاً إلى مميزاته، وهي: أولاً: يوفر أمام الطالب عدداً كبيراً من التخصصات لاختيار ما يناسب قدراته ورغباته. ثانياً: يمنح الطالب الحرية في اختيار مسار تخصصه حسب ميوله الأكاديمية أو المهنية. ثالثاً: يساعد الطالب على تخفيف الضغط النفسي الذي يعاني منه هو أو أفراد أسرته. رابعاً: يتيح الفرصة للطالب للاستفادة من تجربته في الامتحان الأول في تقديم الامتحان الثاني. خامساً: يسهل أمام الطالب مسار تخصصه في الدراسة الجامعية.
وتطرق الكركي إلى ما يتطلبه تطبيق هذا النظام:
أولاً: إعداد دراسة استراتيجية شاملة تبين الفلسفة التربوية من هذا النظام وطباعتها وتعميمها على الهيئة التدريسية والطلبة.
ثانياً: تخصيص المباحث الدراسية العامة لمسارات الصف الحادي عشر.
ثالثاً: تحديد المباحث الدراسية لكل مسار من مسارات التخصص الأكاديمي أو المهني.
رابعاً: تطوير المناهج التربوية وإعادة تنظيمها لتناسب النظام الجديد في امتحان الثانوية العامة.
وقال الكركي في ختام حديثه: "إن الطالب هو محور العملية التعليمية، وعلى الفلسفة التربوية أن تحرص على تطوير الأهداف وتجديد النشاطات التعليمية وتنويع وسائل التقويم، وهذا النظام واحد منها".
جهود دفعت باتجاه اتخاذ الخطوة الأولى نحو التطوير
من جهته، أشار مدير مركز الدراسات والتطبيقات التربوية "كير" غسان عبد الله إلى أن محاولات عدة جرت منذ سنوات، بل منذ عقود، لإحداث تغييرات في نظام التوجيهي القديم، مثل تقسيمه إلى فصلين، أو حذف بعض المواد، أو تعديل علامات بعض المواد.
وأوضح أن الفترة الأخيرة شهدت محاولات ترقيع وتجميل للنظام، تمثلت في تغيير مسمى الامتحان أو منح معدلات مرتفعة بشكل غير واقعي، وهو ما تبين أنه لا يعكس حقيقة مستوى التحصيل الأكاديمي للطلبة، بدليل مخرجات التعليم الجامعي وانتشار الأمية الثقافية والتكنولوجية بين الخريجين، إضافة إلى ضعف قدراتهم على مواكبة الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة.
وأضاف عبد الله: إن هناك العديد من الدراسات المتخصصة والجادة التي طالبت بربط النظام التربوي التعليمي المعمول به بمخرجاته العملية، ومن أبرزها الدراسة التي حملت عنوان "مخرجات التعليم ما بين فرص العمل المتاحة والبطالة المتزايدة"، التي نظمها المركز عام 2022 بمشاركة نخبة من الخبراء التربويين وممثلين عن وزارة التربية والتعليم وجهات حكومية وأهلية. كما عقد المركز يوماً دراسياً عام 2023 بعنوان "واقع امتحان التوجيهي بين الرشوة والتضليل".
وأكد عبد الله أن جميع هذه الجهود، ومع وجود وزير تربية عملي وجريء وطاقم وزاري استجاب لمطالب التغيير، دفعت باتجاه اتخاذ الخطوة الأولى الجادة نحو التطوير، شريطة إخضاعها لعملية مراجعة وتقييم وتقويم مستمرة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالمعايير المحلية والدولية لضمان فاعلية ونجاح النظام الجديد، وهو أمر لن يتحقق من الخطوة الأولى فقط.
التوجيهي الـمطوّر
التطوير ضرورة والارتجال كارثة
محمد مسالمة: سيبدأ العمل بالنظام الجديد بداية العام الدراسي المقبل وسيُطبق أولاً على طلاب العاشر لهذا العام
د. وحيد جبران: النظام الجديد تحوّل مهم وواعد لكنه يستدعي قراءة متأنية فاحصة للإيجابيات والسلبيات
ثروت زيد الكيلاني: تطوير الثانوية العامة يحوّل التعليم إلى منصة للحرية الفكرية والتفكير النقدي والإبداعي والعدالة التربوية
د. علي الجريري: التفكير في تطوير الامتحانات ضرورة ملحة يجب أن لا تتوقف والارتجال كارثة تربوية
جميل حسني الكركي: نقلة نوعية ورؤية إيجابية والتخصصات تتوزع على مسارات أكاديمية ومهنية عدة
غسان عبد الله: ضرورة الالتزام بالمعايير المحلية والدولية لضمان نجاح النظام وذلك لن يتحقق من الخطوة الأولى فقط
خاص بـ القدس
قررت لجنة الامتحانات العامة اعتماد نظام "التوجيهي" الجديد بنظام العامين، بدءًا من العام الدراسي المقبل، وهو يركّز على المسارات التعليمية، حيث تُدرَّس المواد العامة في الصف الحادي عشر، ثم يتفرع الطلبة إلى مسارات متخصصة: الطبية والهندسية والعلوم الإنسانية والعلوم الشرعية والريادة والأعمال، إضافة إلى التعليم المهني، وسيُطبق أولاً على طلاب الصف العاشر لهذا العام.
واعتبر عدد من التربويين والمختصين في أحاديث لـ"ے" أنّ النظام الجديد يمثل تحولاً مهماً وواعداً، وفرصة سانحة لإعادة تعريف دور التعليم في بناء المستقبل المهني والمعرفي للطلبة، وفرصة لإعادة النظر في منظومة التعليم في فلسطين برمتها وإصلاحها، لكنه يستدعي قراءة متأنية فاحصة للإيجابيات والتحديات، فيما أكدوا أهمية دراسة مدى إمكانية تطبيق النظام المقترح بفاعلية وتحقيقه أهدافه إذا استمرت حالة غياب الاستقرار في فلسطين، واستمرت الأزمات التي تعصف بالتعليم وتؤدي إلى تعثر العملية التعليمية وإعاقة الوصول إلى أماكن التعليم، محذرين في الوقت ذاته من خطورة العشوائية والارتجال.
في هذا التقرير المفصّل تستعرض "ے" ميزات النظام الجديد وتفاصيله والتحديات التي تواجهه، وما يتطلبه ذلك من إعداد وخطوات لاحقة، إلى جانب الالتزام بالمعايير المحلية والدولية، لضمان فاعليته ونجاحه.
الطالب سيدرس المباحث المقررة في المسار الذي يختاره
أكد مدير عام الامتحانات بوزارة التربية والتعليم العالي محمد مسالمة أن نظام التوجيهي الجديد سيبدأ العمل به مع بداية العام الدراسي القادم 2026-2027، وسيُطبق أولاً على طلاب الصف العاشر لهذا العام.
وأشار إلى أن النظام سيمتد على مدار عامين، حيث سيتقدم طلبة الصف الحادي عشر لمباحث مشتركة، يُرجح أن يكون عددها أربعة.
وأضاف: أما في الصف الثاني عشر فسيختار الطالب أحد المسارات التالية: المسار الطبي، أو الهندسي والتكنولوجي، أو العلوم الإنسانية واللغات، أو الريادة والأعمال، أو المسار الشرعي، وذلك وفق ما يتم تحديده.
وأوضح مسالمة أن الطالب سيدرس المباحث المقررة في المسار الذي يختاره، وسيتقدم للامتحانات في جزء منها وليس جميعها، في الصف الثاني عشر.
وتابع مسالمة: "نحن حالياً في طور عقد اجتماعات ولقاءات بهدف الخروج بصيغة نهائية للنظام الجديد".
إعادة تعريف دور التعليم في بناء مستقبل الطلبة
وقال د. وحيد جبران، الخبير تربوي ومنسق مجموعة التعليم في الضفة الغربية: "طالما انتظرنا إصلاح وتطوير نظام التوجيهي في فلسطين ليصبح أكثر عدالة وشمولية، وأفضل مواكبة للمستجدات في سوق العمل والتطورات التكنولوجية والتعليمية".
ويرى جبران أن النظام الجديد المقترح للتوجيهي في فلسطين، الذي يمتد عامين ويعتمد على المسارات التعليمية، يمثل تحولاً مهماً وواعداً، وفرصة سانحة لإعادة تعريف دور التعليم في بناء المستقبل المهني والمعرفي للطلبة، وفرصة لإعادة النظر في منظومة التعليم في فلسطين برمتها وإصلاحها، لكنه يستدعي قراءة متأنية فاحصة للإيجابيات والتحديات.
تنويع الخيارات التعليمية للطلبة
وأشار إلى أن أهم الجوانب الإيجابية تتركز في تنويع الخيارات التعليمية وإتاحة المجال للطلبة لاختيار مسارات تتوافق مع ميولهم الأكاديمية والمهنية، ما يعزز الدافعية، ويسهم في مواءمة التعليم مع سوق العمل وإعداد الطلبة بمهارات عملية مطلوبة في السوق المحلي والإقليمي من خلال وجود مسارات مثل ريادة الأعمال والتعليم المهني.
وأضاف جبران: إن التدرج في التخصص مع توافر نظام إرشادي قوي والبدء بالمواد العامة في الصف الحادي عشر يتيح للطلبة فترة استكشاف قبل التخصص النهائي في الثاني عشر، فضلاً عن أن الانتقال إلى تقييمات متنوعة قد يعزز من العدالة والموضوعية ويخفف من مركزية الامتحان النهائي.
من جانب آخر، أكد جبران أن هذا النظام سيواجه تحديات يجب أخذها بالاعتبار من الآن وتدارسها والإعداد لمواجهتها، فمثلاً يتطلب تطبيق مسارات متخصصة تجهيز المدارس بمختبرات ومناهج ومعلمين متخصصين، وهو ما قد يواجه صعوبات في ظل حالة عدم الاستقرار، ويتطلب توفر الأموال لتحقيق ذلك، موضحاً أن اختلاف الإمكانات في التطبيق بين المدارس قد يؤدي إلى فجوات في العدالة وفي جودة التعليم وفرص الاختيار بين المسارات.
ولفت إلى أن غياب نظام قوي للإرشاد والتوجيه قد يدفع الطلبة لاختيار مسارات غير ملائمة لقدراتهم أو ميولهم، وإذا لم يتم تصميم المناهج الدراسية الملائمة لهذا التحول، فقد يعاني الطلبة من صعوبة الانتقال بين المسارات أو الاندماج في التعليم فيها.
وجوب الإعداد الجيد للنظام الجديد
ويرى جبران أنه ينبغي دراسة مدى إمكانية تطبيق النظام المقترح بفاعلية وتحقيقه أهدافه إذا استمرت حالة غياب الاستقرار في فلسطين، واستمرت الأزمات التي تعصف بالتعليم وتؤدي إلى تعثر العملية التعليمية وإعاقة الوصول إلى أماكن التعليم.
واوصى جبران بوجوب الإعداد الجيد لهذا النظام خلال العامين المقبلين، والتعلم من التجارب الدولية المشابهة التي تبنت مسارات مختلفة دمجت المسارات الأكاديمية والمهنية، مع التأكيد على نقل أفضل الممارسات بما يتناسب مع الواقع الفلسطيني، والبدء بحملة توعية شاملة خلال الفترة القادمة، واعتماد نظام تقييم مرن يجمع بين الاختبارات التحصيلية، المشاريع العملية، والتقييم المستمر، وتدريب المعلمين وتطوير البنية التحتية بما يتناسب مع متطلبات كل مسار، وتوفير نظام للإرشاد التربوي والمهني ابتداءً من الصف التاسع لضمان قرارات واعية عند اختيار المسار، فضلاً عن ضرورة الإعداد المدروس للمسارات المختلفة لضمان مواءمتها مع سوق العمل المتغير والتخصصات الجامعية.
محطة فاصلة في مسار الطالب الأكاديمي والوجودي
ويرى ثروت زيد الكيلاني، الخبير والمُستشار التربوي، أن امتحان الثانوية العامة في فلسطين يمثل رمزًا مركزيًا لمسيرة التعليم، يتجاوز كونه مجرد أداة لقياس التحصيل الدراسي، ليصبح مرآة تعكس تحديات المجتمع الفلسطيني ومحطة فاصلة في مسار الطالب الأكاديمي والوجودي.
وقال: "على مدار العقود، رسخ هذا الامتحان سلطته ليس بما يقيسه فحسب، بل بما يفرضه من ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية، متكئًا غالبًا على الحفظ والاستظهار، متجاهلًا أفق التفكير النقدي والابتكار وحل المشكلات الواقعية".
وأشار الكيلاني إلى أن التوجيهي أصبح رمزًا للمصير الأكاديمي وأداة تقيد حرية العقل، ومرجعًا جامعيًا صارمًا أحيانًا، على حساب المهارات الحقيقية للطالب وقدرته على التعلم المستمر، حتى تحوّل التعليم إلى اختبار لحظي للذاكرة أكثر منه رحلة متكاملة للمعرفة.
ويرى الكيلاني أن هذا النمط من الامتحانات يضيق الأفق التربوي، ويحد من تراكم المعرفة وتنمية المهارات، في حين يثقل كاهل الطالب والأسرة بضغوط مستمرة، ويقصر جاهزية الفرد لمواجهة تحديات الحياة.
وأوضح أن اعتماد الجامعات على المعدل وحده يعمّق الجمود الأكاديمي ويقصي القدرات الإبداعية والاجتماعية والقيادية، ليصبح التقييم معيارًا ظاهريًا لا يعكس الكفايات الحقيقية للطالب.
ربط المعرفة النظرية بالمهارات العملية
وأكد أن إعادة تصور الامتحان والمناهج بشكل متكامل، مع الفصل بين المستوى العام والمستوى المتقدم، يربط المعرفة النظرية بالمهارات العملية والكفايات العليا، ويتيح للطالب اختيار المسار الذي يناسب قدراته وطموحاته، ليعيد دوره الفاعل في رحلة تعلمه، ويحرره ليصبح مبدعًا وناقدًا، قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بثقة واستقلالية.
ولفت الكيلاني إلى أنه بهذه الطريقة، تتحول الثانوية العامة من محطة اختبارية ضيقة إلى تجربة شاملة للنمو المعرفي والإنساني والاجتماعي، تجربة تنبض بالحرية والاكتشاف والمسؤولية، وتؤسس لجيل فلسطيني واعٍ ومبتكر، قادر على المنافسة والمساهمة الفاعلة في مجتمع متجدد ومستدام.
تطوير نظام التقويم التربوي لجميع المراحل الدراسية
ويرى الكيلاني أن تطوير نظام التقويم التربوي لجميع المراحل الدراسية والمسارات التعليمية يشكل محورًا استراتيجيًا، ليصبح منظومة متكاملة ومنسجمة تدعم التعلم المستمر، وتوجه نمو الطالب على نحو متوازن وشامل، لافتاً إلى أن الثانوية العامة تندرج ضمن هذه المنظومة كعنصر مركزي، لا كاختبار لحظي أو محطة فاصلة، بل كحلقة أساسية تربط بين المراحل التعليمية المختلفة، وتتيح للطالب الانتقال بسلاسة نحو التعليم العالي والمساهمة الفاعلة في المجتمع وسوق العمل، دون أن يقتصر التقييم على نتائج الثانوية العامة وحدها.
ويعتقد أن الاستحقاقات الأساسية تتوزع على عدة محاور: إعادة تعريف النجاح والرسوب، وتنويع آليات القبول الجامعي بحيث تكون نتائج الثانوية العامة جزءًا من التقييم الشامل للقدرات الأكاديمية والتحليلية والشخصية والاجتماعية والإبداعية، وتعزيز التعليم التقني والمهني، وتحديث التشريعات والسياسات، وتنظيم التشكيلات المدرسية والمسارات، وتوظيف التكنولوجيا للتقويم المستمر، وتقييم القدرات الفردية والشخصية.
وقال: "من خلال هذه الركائز، يتحول التقويم من قيد إلى محرّك للتمكين، يمنح الطلاب الحرية في التعلم، ويجعلهم محور العملية التعليمية، ليولد جيلًا مبتكرًا، قادرًا على المنافسة والمساهمة في صناعة مجتمع فلسطيني واعٍ، متعلم، ومسؤول، مع شمولية التقييم لكل مراحل ومسارات التعليم".
نقلة نوعية من قياس الحفظ إلى قياس الكفايات العليا
وأشار الكيلاني إلى أن إعادة تصميم الامتحان تتطلب نقلة نوعية من قياس الحفظ والاستظهار إلى قياس الكفايات العليا التي تجسد جوهر التعلم، مثل التفكير النقدي والتحليل والإبداع وحل المشكلات الواقعية".
وأضاف: "ينبغي ربط الامتحان بالمعرفة المتراكمة والكفايات العملية عبر دمج مهارات الحياة، والعمل الجماعي، والقدرات الرقمية، بما يجعل نتائجه انعكاسًا صادقًا لكفايات تؤهل الطالب للتعليم العالي وسوق العمل. وفي هذا السياق، تشكل محاكاة التجارب الدولية (مثل SAT وIB) سبيلًا لتبني بنوك أسئلة متدرجة وموثوقة تضمن العدالة والموضوعية".
آليات الامتحان والأفق الاستراتيجي والمستقبلي
وبخصوص آليات عقد الامتحان، قال الكيلاني: "تستند هذه الرؤية إلى مرونة اختيار المواد والمحاولات بحيث يتاح للطالب إعادة التقدم بحرية وبخطوات متدرجة، بعيدًا عن حصر مستقبله في تجربة واحدة فاصلة. كما يتطلب الأمر تطوير بنوك أسئلة وطنية متجددة تعكس الكفايات العليا وتدمج التقييم بالمشاريع البحثية والأنشطة اللاصفية، لتوسيع دائرة الحكم على الطالب. ويكمل هذا التوجه استخدام التكنولوجيا للشفافية والمتابعة من خلال إصدار نتائج فورية موثقة، وتعزيز قنوات الربط بين المدارس والجامعات، بما يضمن عدالة الإجراءات ومواءمتها مع الاستحقاقات الوطنية".
وبشأن الأفق الاستراتيجي والمستقبلي قال: "في المحصلة، يصبح الامتحان جزءًا من رؤية أوسع تقوم على دمج التعليم العام مع التقني والمهني ضمن استراتيجية متكاملة، بحيث يتحول من أداة ضغط واستبعاد إلى أداة تمكين وتنمية. وبهذا يعكس الامتحان القدرات الفردية لكل طالب، ويفتح أمامه أفقًا أرحب للمساهمة في التنمية المستدامة، وفي بناء مجتمع فلسطيني متعلم ومسؤول ومبتكر".
وختم الكيلاني حديثه بالقول: "إن تطوير الثانوية العامة ليس مجرد تعديل إداري، بل فعل سيادي يعيد تشكيل الإنسان الفلسطيني والمجتمع ككل. إنه تحويل التعليم إلى منصة للحرية الفكرية، للتفكير النقدي والإبداعي، وللعدالة التربوية، مع ضمان التكامل بين المسارات التعليمية، مشدداً على أن القرار الجريء اليوم يطلق جيلًا متوازنًا قادرًا على المنافسة محليًا وعالميًا، ويضع التعليم في قلب التنمية المستدامة والتحول المجتمعي. وتظل المسؤولية على الجهات المعنية لضمان الجاهزية الكاملة، وتوفير كل الاستحقاقات والظروف، لتصبح التجربة التعليمية قوة تمكين حقيقية، لا مجرد أداة ضغط أو رمز شكلي، بل مسارًا للاكتشاف والنمو والمعرفة نحو مجتمع فلسطيني متعلم، مبتكر وفاعل".
الفكرة طُرحت قبل خمس سنوات ولم يتم تحضير المناهج
بدوره قال د. علي الجريري، الأكاديمي والتربوي وواضع مسارات أكاديمية في اللغات والترجمة والإعلام في الجامعات والكليات الفلسطينية: "إن التفكير في تطوير الامتحانات ضرورة ملحة يجب أن لا تتوقف، والارتجال كارثة تربوية لا يجوز المغامرة بها، وهنا يجب أن يبدأ العدّ من تطوير المناهج وليس العكس، قياساً على تجربة أواخر التسعينيات عندما قرروا تطبيق نمط تعليمي قديم بعد أن ثبت فشله خليجياً، ممثلاً في تطبيق نظام معلم الصف بدلاً من معلم المجال والاختصاص، وبعد عشر سنوات أثبت فشله، وتخلت الوزارة عنه بعد إرباك المعلمين والمشرفين، وتراجع تحصيل الدارسين، مشيراً إلى أن الفكرة الجديدة طرحت قبل خمس سنوات ولم يجر تحضير المناهج الخاصة بذلك، ونخشى ما نخشاه أن يقع تلاميذ المدارس ضحية تجربة مرتجلة وغير مدروسة.
وأوضح الجريري أن "مبررات طرحها قائمة، ومسبوقة في عديد دول العالم، فمدة الدراسة الأساسية قبل الجامعة عشر سنوات، وكان نظام "الماترك" الفلسطيني يكفي لدخول الطالب الجامعة واستكمال دراسته الجامعية"، لكنه أضاف: إن هذا النظام قام على تكثيف وتركيز المناهج وليس بنفخها وتفريعها، والسؤال هنا: هل وضعت الوزارة خططاً لترشيد محاور الدراسة العلمية والإنسانية؟ وهل التفريع منطقي وحصر العلوم في الطب والهندسة؟ وما دام المسار العلمي قد احتوى على معارف علمية عدة، فلماذا لم تضمن العلوم الشرعية ضمن المسار العلوم الإنسانية والاجتماعية؟
مخاوف بسبب انهيار نظم في التعليم الجامعي
ولاحظ الجريري أن عدداً كبيراً من أشهر الجامعات أخذت تستجدي تسجيل الطلاب بإعلانات مكثفة، لمسار تعليمي أسمته لقب علوم الجغرافية والتاريخ، وبعضها لغات، وبعضها تكثر من رجاء الطلاب من كافة المحافظات لإكمال شعبة لغة عربية، ما يعكس عزوف الطلاب عن التوجه إلى دراسة هذه المسارات، ليس بسبب تكدس الخريجين الجامعيين من هذه التخصصات دون وظائف، إضافة إلى سوء آلية التوظيف، علاوة على ضعف الكادر التعليمي والأكاديمي، والضعف الواضح في إتقان اللغات، ما دفع بالوزارة إلى دمج اللغات بالمسارات الإنسانية، وهو ما يدفع الجامعات تباعاً لتغيير مساراتها التعليمية واتباع مسارات مدمجة كمسار اللغات والإعلام، ومسار العلوم الاجتماعية، ومسار العلوم الصحية.. وهكذا.
وأعرب الجريري عن خشيته من أن تكون هذه الدعوة لتغطية الاستجابة لتغير المناهج تبعاً لإملاءات الدول المانحة والمؤيدة لشروط الاعتراف المشروط بفلسطين، مع ما سبقه من تسريبات بتكلفة طباعة المناهج الجديدة ملياري دولار، وهكذا لا يظهر بشكل مباشر كأن سلطة المناهج استجابت للاشتراطات على حساب الثقافة والهوية الوطنية.
وفي سياق تفاصيل النظام الجديد، أضاف الجريري: النظام الجديد مطبق في المدارس الأهلية الخاصة كمدارس الفرندز والفرير ومنتسوري من خلال البكالوريا الدولية ومثيلاتها، والأصل تطبيقه على المناهج الوطنية من الصف العاشر، ويعتمد على المسارات التعليمية المتخصصة، مع تعديل في الصفين العاشر والإعادة في الحادي عشر، وتخصيص الثاني عشر للجامعات كدراسة مشروطة بمسارت استكمالية في أحد المسارات التعليمية التالية:
مسار العلوم التطبيقية، ويشمل الطب والهندسة والرياضيات والنظم الإلكترونية، ونحوها
العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويشمل الللغات والترجمة والأدب والإعلام، والثقافة الوطنية، والاجتماعيات، والديانات، والفلسفات، والعلوم السياسية، وكذلك التعليم المهني والتقني، الزراعي والصناعي، والسياحة، والفنون، ويشمل ريادة الأعمال.
أهداف طموحة.. ولكن!
ويرى الجريري أن هذه الأهداف ترتبط بالاستقلال التام وطنياً واقتصادياً ومالياً وتنموياً، ولا يمكن تطبيقها في حالة الاقتصاد التابع أو المرتبط أو الملحق.
وقال: "أما تحسين التعليم من خلال "المدارس التفاعلية بلا كتب" مع انعدام مشاريع إنتاجية حقيقية توفر فرص عمل كافية ، فإنه غير ممكن، كما في طروحات سابقة مثل "توفير حاسوب وإنترنت لكل تلميذ"، طموح جامح محلق وغير عملي، ولهذا أخذ التعليم الجامعي ينهار عندما تحولت الجامعات إلى مقاهٍ للطلبة والطالبات دون كتب ومذكرات وأقلام، وتحول التعليم الجامعي إلى دفع أقساط وتمضية أربع سنوات جامعية من عمر المتعلمين للحصول على لقب جامعي فارغ من كل مضمون، والنتيجة هذا العزوف المخيف من الالتحاق في عشرات المسارات والتخصصات، وجيوش الخريجين العاطلين عن العمل".
وبخصوص توسيع التعليم المهني، قال الجريري: "أثبتت التجربة القائمة بالتوسع في تطوير الكليات المهنية إلى جامعات وزيادة عدد الوحدات، أنها لم تأت بالنتائج المرجوة منها، بل ربما بحاجة إلى التفكير الجدي بدمج الوحدات المتداخلة كوحدات كهرباء السيارات مثلاً بوحدات الميكانيكا، والنظم الكهربائية بالهيردوليكية وتقنيات التنقيب وإنتاج الطاقة.
وأشار إلى تعزيز قدرات الطلاب في مجالات مثل القراءة والكتابة (القرائية) والعلمية (Stem). وقال: إن هذا الهدف يتناقض مع هدف إلغاء الكتب المدرسية، وتحول التعليم إلى مسارات حكواتية مرتجلة، عوضاً عن تنظيمها في أعمال مسرحية ممتعة، ودمج مسارات ومهارات علاج معوقات التواصل التعليمي.
وختم الجريري بالقول: "مع تمنياتي بنجاح التجربة إلا أن الأمر يستحق دراسة وحملة توعية مكثفة لا تقتصر على العاملين العموميين في هذا المجال".
تخطيط حريص على المسيرة التعليمية
بدوره، يرى الأستاذ جميل حسني الكركي، المشرف التربوي لمبحث اللغة العربية في القدس الشريف سابقاً، وعضو مشارك في تأليف المنهج الفلسطيني لمبحث اللغة العربية سابقاً، أن نظام العامين المتتاليين لامتحان التوجيهي نقلة نوعية ورؤية تربوية إيجابية.
وأكد أن خارطة الطريق لتطبيق هذا النظام تنم عن التخطيط الحريص على المسيرة التعليمية، موضحاً أن التخصصات تتوزع على مسارات أكاديمية، ومسارات مهنية عديدة.
مميزات النظام الجديد وما يتطلبه
وأشار الكركي إلى أهمية هذا النظام متطرقاً إلى مميزاته، وهي: أولاً: يوفر أمام الطالب عدداً كبيراً من التخصصات لاختيار ما يناسب قدراته ورغباته. ثانياً: يمنح الطالب الحرية في اختيار مسار تخصصه حسب ميوله الأكاديمية أو المهنية. ثالثاً: يساعد الطالب على تخفيف الضغط النفسي الذي يعاني منه هو أو أفراد أسرته. رابعاً: يتيح الفرصة للطالب للاستفادة من تجربته في الامتحان الأول في تقديم الامتحان الثاني. خامساً: يسهل أمام الطالب مسار تخصصه في الدراسة الجامعية.
وتطرق الكركي إلى ما يتطلبه تطبيق هذا النظام:
أولاً: إعداد دراسة استراتيجية شاملة تبين الفلسفة التربوية من هذا النظام وطباعتها وتعميمها على الهيئة التدريسية والطلبة.
ثانياً: تخصيص المباحث الدراسية العامة لمسارات الصف الحادي عشر.
ثالثاً: تحديد المباحث الدراسية لكل مسار من مسارات التخصص الأكاديمي أو المهني.
رابعاً: تطوير المناهج التربوية وإعادة تنظيمها لتناسب النظام الجديد في امتحان الثانوية العامة.
وقال الكركي في ختام حديثه: "إن الطالب هو محور العملية التعليمية، وعلى الفلسفة التربوية أن تحرص على تطوير الأهداف وتجديد النشاطات التعليمية وتنويع وسائل التقويم، وهذا النظام واحد منها".
جهود دفعت باتجاه اتخاذ الخطوة الأولى نحو التطوير
من جهته، أشار مدير مركز الدراسات والتطبيقات التربوية "كير" غسان عبد الله إلى أن محاولات عدة جرت منذ سنوات، بل منذ عقود، لإحداث تغييرات في نظام التوجيهي القديم، مثل تقسيمه إلى فصلين، أو حذف بعض المواد، أو تعديل علامات بعض المواد.
وأوضح أن الفترة الأخيرة شهدت محاولات ترقيع وتجميل للنظام، تمثلت في تغيير مسمى الامتحان أو منح معدلات مرتفعة بشكل غير واقعي، وهو ما تبين أنه لا يعكس حقيقة مستوى التحصيل الأكاديمي للطلبة، بدليل مخرجات التعليم الجامعي وانتشار الأمية الثقافية والتكنولوجية بين الخريجين، إضافة إلى ضعف قدراتهم على مواكبة الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة.
وأضاف عبد الله: إن هناك العديد من الدراسات المتخصصة والجادة التي طالبت بربط النظام التربوي التعليمي المعمول به بمخرجاته العملية، ومن أبرزها الدراسة التي حملت عنوان "مخرجات التعليم ما بين فرص العمل المتاحة والبطالة المتزايدة"، التي نظمها المركز عام 2022 بمشاركة نخبة من الخبراء التربويين وممثلين عن وزارة التربية والتعليم وجهات حكومية وأهلية. كما عقد المركز يوماً دراسياً عام 2023 بعنوان "واقع امتحان التوجيهي بين الرشوة والتضليل".
وأكد عبد الله أن جميع هذه الجهود، ومع وجود وزير تربية عملي وجريء وطاقم وزاري استجاب لمطالب التغيير، دفعت باتجاه اتخاذ الخطوة الأولى الجادة نحو التطوير، شريطة إخضاعها لعملية مراجعة وتقييم وتقويم مستمرة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالمعايير المحلية والدولية لضمان فاعلية ونجاح النظام الجديد، وهو أمر لن يتحقق من الخطوة الأولى فقط.





شارك برأيك
التوجيهي الـمطوّر.. التطوير ضرورة والارتجال كارثة