رزق عطاونة
في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ نحو 22 شهراً، يواجه أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة مجاعة حقيقية نتيجة الحصار ومنع دخول الغذاء والمياه والدواء، في ما وصفته تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية بـ"أسوأ كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين، يتزامن هذا مع عمليات إبادة جماعية ممنهجة، وقصف يستهدف المدنيين والبنية التحتية، بما يشمل المدارس والمستشفيات ومخيمات اللاجئين.
بالموازاة تشهد الضفة الغربية تصعيدًا غير مسبوق من حيث التطهير العرقي في شمال الضفة الغربية والأغوار والقدس، وتدمير متكرر لمخيمات اللاجئين، وعمليات تهجير قسري ينفذها جيش الاحتلال والمستوطنون المسلحون بدعم كامل من المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ان هذا الواقع يُفرض تحت غطاء دولي متواطئ أو صامت، وفي قلبه يأتي الدور الأميركي باعتباره ركيزة أساسية في استمرار هذا الانفلات الإسرائيلي من أي مساءلة سياسية أو قانونية.
ان التحالف الأميركي – الإسرائيلي ليس علاقة مصالح مؤقتة، بل هو ارتباط بنيوي عميق الجذور، تعود بداياته إلى لحظة تأسيس الولايات المتحدة نفسها، هذه العلاقة تجاوزت الإدارات والحزبيات لتصبح عقيدة سياسية واستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، فإن واشنطن لا تقبل بأي شكل من الأشكال أن تتعرض إسرائيل لهزيمة عسكرية أو سياسية وفي حال حصول مثل هذا التهديد، تتدخل فورًا لتقلب المعادلة، كما فعلت في حرب أكتوبر 1973 حين منعت انتصارًا مصريًا كاملًا على الجيش الإسرائيلي.
وحتى في الأطر القانونية والدبلوماسية، ترفض الولايات المتحدة إدانة إسرائيل أو مساءلتها في مجلس الأمن، مستخدمة حق النقض "الفيتو"، أو عبر تعطيل مؤسسات دولية كاملة هذا السلوك لم يعد انحيازًا؛ بل أصبح أداة لتثبيت النظام الاستعماري الصهيوني في فلسطين.
ان الولايات المتحدة تتبع استراتيجية تفاوضية متكررة في كل أزمة، تقوم على العناصر التالية: الاحتكار التام لمسار التفاوض بحيث لا تسمح بأي دور جاد لأطراف دولية أخرى قد تتخذ مواقف متوازنة وتطرح واشنطن نفسها كوسيط، في الوقت الذي تنسق فيه مسبقًا كافة البنود مع إسرائيل، زرع شروط تعجيزية في المقترحات ما يؤدي إلى رفض فلسطيني محسوب مسبقًا، تستخدمه واشنطن لتبرير استمرار الحرب، كسب الوقت لإسرائيل وفي كل جولة تفاوض تفشل تُستخدم لتحسين تموضع إسرائيل ميدانيًا وإضعاف الخصم سياسيًا، تكرار الرفض المتبادل بعد الرفض الفلسطيني، تُعدّل المقترحات لتمنح إسرائيل مبررًا لرفضها بدورها وهكذا تستمر حتى تُفرض تسوية على المقاس الإسرائيلي.
ان هذه السياسة التفاوضية التي تخدع البعض بشعارات "السلام"، تؤدي في المحصلة إلى استنزاف الحقوق الفلسطينية، وتفريغ المشروع الوطني من مضمونه التحرري هي تدمّر تدريجيًا الكيانية السياسية الفلسطينية وتحوّل السلطة الفلسطينية إلى أداة تنسيق إداري، بدلًا من كونها مشروع تحرري ،وبينما يشتد الخناق في غزة وتُهدم المخيمات في شمال الضفة، تستمر المفاوضات العقيمة تحت مظلة أميركية في تجاهل تام لحجم الجريمة التي تُرتكب بحق شعب أعزل يُحاصر ويُقتل ويُهجّر أمام أنظار العالم.
أمام هذه المعادلة المختلّة يصبح لزامًا على منظمة التحرير الفلسطينية أن تمارس دورها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وأن تعيد تموضعها السياسي والإستراتيجي، عبر الخطوات التالية: رفض الرعاية الأميركية المنفردة من خلال إعلان موقف سياسي واضح بعدم قبول أي عملية سياسية أو تفاوضية بوساطة أميركية منفردة وتحشيد التأييد العربي والدولي لهذا الموقف، تبني سياسة الفطام الاستراتيجي عن الغرب من خلال الانفكاك السياسي عن واشنطن بما يشمل مراجعة العلاقات الدبلوماسية والمالية، لصالح بناء تحالفات دولية بديلة (كالبريكس، وبلدان الجنوب العالمي)، إعادة بناء المشروع الوطني عبر استعادة البرنامج الوطني التحرري كأساس للحراك السياسي، وتجاوز أوهام الدولة تحت الاحتلال والتركيز على إنهاء الاحتلال وليس إدارته، إحياء الحراك الشعبي والتضامن الدولي من خلال تفعيل حملات المقاطعة (BDS)، والتوسع في مقاضاة إسرائيل في المحاكم الدولية، توحيد طاقات الجاليات الفلسطينية في الخارج والدعوة لمؤتمر وطني شامل من خلال إطلاق حوار وطني جامع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتشاركية، بمشاركة كافة الفصائل والقوى المجتمعية.
في لحظة تاريخية تتقاطع فيها المجاعة والابادة في غزة، مع تطهير عرقي في الضفة، وفشل الوساطات، تبدو السياسة الأميركية أكثر من مجرد تكتيك إنها نظام إدارة استعماري طويل الأمد.
وأمام هذه الحقيقة، فإن منظمة التحرير مطالبة اليوم باتخاذ قرارات كبرى، تبدأ بكسر التبعية، وإعادة إطلاق المشروع الوطني كحركة تحرر لا كسلطة تحت الاحتلال.
أقلام وأراء
الأربعاء 23 يوليو 2025 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الكيانية الفلسطينية في ظل التفكك الدولي والانحياز الأمريكي