أقلام وأراء

الأحد 04 مايو 2025 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس

جيش يخشى صورته !

أمين الحاج 


 

بينما يحتفل الاحتلال بالذكرى السابعة والسبعين لإعلان دولته، وفي مشهد أثار التساؤلات، قرر جيش الاحتلال إخفاء وجوه مئة وعشرين من جنوده خلال الحفل السنوي لـ"تكريمهم"، مكتفياً بإظهارهم بطريقة تخفي ملامحهم، ومن دون نشر أسمائهم. قد يبدو هذا القرار تفصيلاً صغيراً في بروتوكول أمني، لكنه في الحقيقة يعكس دلالات عميقة، تُعري التناقضات في خطاب "الفخر العسكري" الذي يتبجح به على الدوام، فماذا يعني أن يُكرم الجندي بلا وجه؟ ففي جوهره، التكريم فعل احتفالي يظهر التقدير والاعتراف العلني بمن قام بعمل "بطولي"، لكن حين يمنع من الظهور علناً، أو يخفى وجهه، تنقلب معادلة التكريم إلى حالة من الخوف، فهل هو تكريم أم إخفاء؟ فخر أم إنكار؟

إخفاء وجوه الجنود يعني ضمنياً أنه إما عاجز عن حمايتهم، أو غير قادر على تحمل تبعات أفعالهم، بسبب تورطهم في انتهاكات قد تجرهم إلى المساءلة القانونية، أو ببساطة، يخشى أن تعرف هوياتهم فيستهدفون، وهنا يتحول الجندي من "رمز شجاعة" إلى شبح في منظومة تخشى المحاسبة.

لكن الإخفاء لا يعكس فقط هروباً من المساءلة، بل تهرباً من الذات، ما ذهب له علماء النفس التحليلي، فإن ما لا يتم إدراكه في الداخل، يظهر في الخارج على هيئة "قدر"، وهكذا، يتحول العالم الخارجي إلى مسرح لصراع داخلي، وحين تخجل الدولة من عرض رموزها القتالية، فإنها تعلن -عن وعي أو دونه - فقدان ثقتها في سرديتها الأخلاقية، فما يخفى ليس مجرد وجه جندي، بل مرآة لمشروعية مفقودة، تخشى مواجهتها لأنها تكشف ما تسعى إلى إنكاره، فالإخفاء هنا ليس فقط وسيلة حماية، بل آلية دفاع جماعية لحماية سردية متصدعة من الانهيار أمام سؤال أخلاقي بسيط، ماذا فعلنا؟ وبالتالي، فإن الإخفاء هنا لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية لمنظومة باتت تعرف أنها مكشوفة أخلاقياً وقانونياً.

فصورة الجندي ليست مجرد هوية بصرية، إنها سردية سياسية، وإخفاء الوجوه في عصر الصورة هو اعتراف ضمني بأن الصورة أصبحت دليلاً دامغاً يدين ولا يبرئ، وقد أدرك بعد سلسلة من المقاطع التي وثقت جرائمه بحق المدنيين، من قتل وتجويع الأطفال والنساء، إلى تدمير المنازل، أن الصورة قد تحوله من مدعٍ للشرعية إلى متهم بارتكاب جرائم حرب.

في معركة غير متكافئة، قد تهزم الصورة الرصاصة، ويتفوق الوعي على القوة، فالتفوق العسكري لا يضمن الانتصار حين يُهزم الجلاد في ساحة الإعلام، وتتحول الكاميرا إلى محكمة، والصورة إلى سلاح يحرك الشوارع، ويضيق الخناق على آلة البطش، وإن كان تأثيرها لا يزال محدوداً، فإنه يتسع يوماً بعد يوم.

جيش لا يستطيع عرض صور جنوده، لا يستحق أن يُتباهى به، فكيف يقدم على أنه "الجيش الأكثر أخلاقاً" كما يدعي قادته، بينما يُخفي من يفترض أنهم "نماذج يحتذى بها"؟ وكيف لمجتمع أن يفتخر بجيشه، وهو يبقي "أبطاله" مجهولين، خوفاً من القانون الدولي أو من رأي عام لم يعد يصدق الأكاذيب القديمة؟

الأدهى من ذلك، أن هذا الإخفاء يفضح عمق المأزق الأخلاقي الذي يعيشه، فهو يعلم أن ما يرتكبه على الأرض، في غزة، والضفة، والقرى المهجرة، وعموم الإقليم، لا يمكن الدفاع عنه علناً، ولا تسويقه كـ"فخر وطني"، حتى لو أمكنه ذلك مؤقتاً، ولذلك، لم يعد الجندي في هذا السياق رمزاً للبطولة، بل عبئاً أخلاقياً يخفى عن الأنظار، حتى لا يرى العالم وجه الاحتلال الحقيقي، وهكذا، لا يظهر الاحتلال كما يدعي، بل كما هو، يخشى صورته، ويخجل من جنوده، ويختبئ خلف أقنعة زائفة، فليس البطل هو من يُخفى وجهه، بل من يُظهره للعلن ليروي حكاية الحقيقة.


.................


جيش لا يستطيع عرض صور جنوده، لا يستحق أن يُتباهى به، فكيف يقدم على أنه "الجيش الأكثر أخلاقاً" كما يدعي قادته، بينما يُخفي من يفترض أنهم "نماذج يحتذى بها"؟ وكيف لمجتمع أن يفتخر بجيشه، وهو يبقي "أبطاله" مجهولين، خوفاً من القانون الدولي.


دلالات

شارك برأيك

جيش يخشى صورته !

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.