أقلام وأراء

الأربعاء 30 أبريل 2025 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

ماذا بعد؟



بهاء رحال


الواقع الصعب الذي يعيشه المواطن في فلسطين تعدى حدود الممكن والمعقول، وبات شكل الحياة غريب الطالع، والأيام تنهش كل ما هو ممكن، وتضيق مساحة الفرج أمام عتمة القيود والبوابات والحواجز والطرق الملتوية والمتعرجة، الترابية والصخرية. وبينما تستمر حرب الإبادة في غزة، تتواصل عمليات التنكيل بالناس في الضفة، ويتواصل مسلسل الضم والقضم لصالح بناء المستوطنات، وتتواصل عمليات القهر والإذلال على الحواجز العسكرية المنتشرة بين كل مدينة وأخرى، والبوابات الحديدية التي تقطع وصل الطريق، كنوع من العقاب الجماعي، وترويع حياة الناس بالاقتحامات اليومية المستمرة، والاعتقالات التي لا تتوقف، وتشديد الخناق الاقتصادي والاجتماعي بطرق عجز إبليس عن الإتيان بها.

بالنظر إلى الواقع في مدن وقرى ومخيمات الضفة، تكون الصورة واحدة من الشمال وحتى الجنوب، ولسان حال الناس شكوى الواقع المتدحرج إلى القاع، وغياب الأمنيات في معظم الحوارات واللقاءات، فهم يعلمون أن صبرهم عجز عن صبره الصبر، وأنهم في ظل هذا الواقع ليس أمامهم من حلول تفضي إلى مساحات أفضل. فالحرب في غزة تتواصل، وتتواصل معها أشكال عديدة من الاعتداءات في الضفة، ولا أحد في هذا العالم يفرض وقفًا للإبادة، أو يوقف غطرسة حكومة الاحتلال المتطرفة، ولا بصيص أمل في أفق سياسي قادم في القريب، وهذا ما يجعل الناس في حالة من البؤس، نظرًا لما يسمعونه ويشاهدونه ويعيشونه. فشكوى السياسيين والإعلاميين والصحفيين والمفكرين باتت سمة دائمة كل نهار، ما يدفع المواطن العادي لتلمس الأخطار القادمة، في انعدام الصورة وعتمة القادم.

قضت حرب الإبادة في غزة على كل شيء، وبات القطاع قطعة من خراب، سكانه في خيام رثة ومراكز إيواء لا تصلح للعيش، وسط فقد تام لكل مقومات الحياة. كما في الضفة أيضًا، الواقع ليس بحالة أفضل، بل مع كل يوم تزداد صعوبة العيش، وتتسع رقعة الاعتداءات ومصادرة الأراضي وترويع حياة الناس، وهذا ما أراده نتنياهو وحكومته، وهذه سياسة معلنة بكل عنصرية وغلو في مواجهة العالم وقوانينه ومواثيقه وشرائعه وهيئاته. فالاحتلال يواصل حربه واعتداءاته، كما يواصل سياساته المتطرفة الساعية إلى التطهير العرقي وطرد أصحاب الأرض الأصليين وتهجيرهم بشتى الطرق والوسائل.

الواقع الفلسطيني الداخلي الذي يعاني التشظي والانقسام، والخلافات التي تطفو على السطح، هي السبب الرئيسي في إضعاف المواقف والرؤى والتغلب على الحاضر المتعثر، كما وأن الانقسام البغيض يعطل أي إمكانية للنهوض من هذا القاع. فبين شرذمة المواقف، وإضاعة الوقت، وغياب الديمقراطية والانتخابات، تضيع بوصلة الناس التي تشهد كل ما حدث ويحدث، ويتيه المشروع الوطني في متاهات الاقتتال الداخلي، وكلما اشتد خطر الاحتلال ومشاريع التصفية، ازداد الشرخ وتعمقت الخلافات، وكأن الانقسام قدرنا المحتوم، ولا مفر منه في ظل الحزبية والفصائلية الضيقة التي امتدت كل هذه السنوات، وعادت علينا بالخسارات ومزيد من الضعف والإرباك. وفي ظل هذا الانقسام، يكون وحده صوت العجز والضعف، ويعلو صوت الخيبات، ويتضاءل منسوب الفعل، ويظل المواطن رهينة واقع رث، بظروفه السياسية والاقتصادية الصعبة.

ماذا بعد؟ سؤال الناس الذين أرهقتهم فصول الحرب والإبادة والمعاناة، ولا جواب له في ظل هذا الواقع الذي يلفه الموت وعمليات النزوح والتطهير العرقي وسياسات الاحتلال، وسط صمت دولي وحياد عالمي، وانقسام فلسطيني بغيض.


دلالات

شارك برأيك

ماذا بعد؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.