الهيستوبوليتيك: دراسة تفاعل الزمن مع الاستراتيجية السياسية في العالم الحديث

الهيستوبوليتيك: دراسة تفاعل الزمن مع الاستراتيجية السياسية في العالم الحديث

أراقب مشهد التحول الذي يبتلع الشرق الأوسط، ويعيد تشكيل خرائطه ومصائر شعوبه. الجميع منشغل بالجغرافيا: تلك الجبال والسهول والمدن والخطوط الوهمية التي يتقاسمها الأقوياء. كنت أسمع المحللين يرددون، بنبرة يقين زائف: “الموقع هو كل شيء، الحدود تحدد المصير!” لكن شيئاً ما في هذا الطرح كان ناقصاً، باهتاً أمام أعين من خبروا لعبة السرديات.
وبين تفاصيل الأخبار وصخب التصريحات، بدأت أتلمس خيوط الزمن في الحكاية السياسية. رأيتُ أن الماضي ليس مجرد صفحة مطوية في كتاب، بل هو وقودٌ خفيٌ، يُشعل الصراعات ويعيد إنتاج الطموحات. والمستقبل؟ إنه الحلم الذي تزرعه القوى في نفوس أتباعها، استعداداً لمعارك لم تبدأ بعد.
في قلب الرواية الإسرائيلية، وجدتُ كل شيء يدور حول سردية "العودة": تهجيرٌ مزعوم، أرضٌ أُخذت بالقوة، وحقٌ تاريخي يُعاد إنتاجه في الوعي المعاصر. هنا، لم يكن الزمن بريئاً. أصبح الماضي مختبراً تَرِكَتْهُ أيدي من يهوون فبركة التاريخ، يجرون فيه تجاربهم على شعوب وخرائط. تَحوّلت الحكايات القديمة إلى أعمدة يعلو عليها مشروع "إسرائيل الكبرى"، ليحفر القادة أسماءهم بين سطور نبوءات دينية وهواجس مستقبلية، تُسوّق على أنها حقائق علمية.
ولم تبتعد تركيا كثيراً عن اللعبة. كلما اقتربتُ من سرديتها، وجدت حلم العودة إلى المجد العثماني ينمو في صدور الساسة والناس. هناك، يُعيدون ترتيب الزمن ليُصبح الحاضر امتداداً لزمنٍ ذهبي افتراضي. كنتُ أرى كيف تُستدعى سنوات السطوة إلى طاولة المفاوضات، وكيف تُستغل الأساطير لإعادة رسم الخرائط كأنها خريطة كنز دفين. في تلك اللحظة، أدركت أن الزمن لم يعد ذاكرة، بل صار سياسة، وصار التاريخ مشهداً تمثيلياً في مسرح النفوذ.
لم أكن وحيداً في هذا الاكتشاف. كلما تأملت القضية الفلسطينية، وجدت أنفسنا نعيش انتقالاً رهيباً: من قيادة قومية ضاعت بين تآكل الحدود إلى مقاومة تستند إلى سردية دينية وإنسانية عميقة. لم يقتصر الأمر على الدفاع عن الأرض، بل صرنا ندافع عن حقٍ في الماضي، وأملٍ في المستقبل. أصبح الزمن القوة التي تدفعنا لنرسم روايتنا في ضمير العالم، كلما خذلتنا التحالفات وتهاوت الكلمات.
ورأيت الهيستوبوليتيك يولد كتيار جديد في فهم السياسة. لم يعد التحليل محصوراً في الخرائط، بل انفتح على الأبعاد الزمنية: أي ماضٍ يُوظف للصراع؟ أي مستقبل يُسوَّق للحشد؟ في هذا العلم الجديد، تنكشف أسرارٌ قلّ من يجرؤ على اقتباسها: تمثيلات الماضي تُمنح قداسة أو تُفبرك بمهارة، والمستقبل يتحول إلى طريق مرسوم، تمضي فيه الشعوب دون أن تدري أنها تُقاد بسرديات صنعت في مختبرات السياسة.
صرت أروي القصة بحماسة. تخيلت نفسي داخل زوبعة الأحداث، أبحث عن دليل يقودني إلى قلب الخدعة. كل خلاف سياسي، كل مسيرة شعبية وكل خطاب صارخ أمام الجماهير، كان بمثابة فصل آخر في ملحمة الهيستوبوليتيك، حيث يدور الصراع حول من يملك تفسير الزمن ومن يملك حق تسوية خرائطه من جديد.
ومع كل تأمل، اكتشفت أن الهيستوبوليتيك ليس فقط علم الماضي أو المستقبل، بل هو بوصلة الأسئلة والأجوبة الكبرى. هو العلم الذي يقطّع أوصال الحاضر ليصنع روايات تَعبُر الحدود وتتحكم في العقول. وأدركت أن شعوبنا لن تتحرر إلا إذا امتلكت مفاتيح تفسير الزمن السياسي، وعرفت كيف تتلاعب بالسرديات بدلاً من أن تتلاعب بها القوى الفاعلة.
هكذا، كلما أصبحت الحكاية أطول وأكثر عمقاً، تشابكت تفاصيلها بين حلمٍ وحقيقة، بين أسطورةٍ وسردية رسمتها الأيدي البارعة. وكلما تمعّنت في المشهد، أيقنت أن معارك اليوم ليست فقط جغرافية أو عسكرية، بل هي صراع شرس على الزمن: على حسابات الماضي وتوقعات المستقبل، على وهمٍ يُباع في أسواق الآراء وتاريخٍ يُشترى في غرف صناعة القرار.
الحكاية لم تنتهِ بعد، وما زالت فصولها تُكتب في زنزانة التاريخ وأروقة السياسة، حيث يظل الزمن ـ بكل ماضيه ومستقبله ـ حَكَماً وقائداً خفياً لكل معركة فاصلة بين الحقيقة والوهم، بين الراوي والسارد، بين أمةٍ تبحث عن هويتها وساسة يسوقونها حيث يريدون. في عالم الهيستوبوليتيك، ستبقى الرواية مفتوحة، بانتظار من يملك الجرأة ليعيد كتابة الزمان من جديد.

695 مشاهدة
0 تعليق
رامح مسمار

بقلم

رامح مسمار

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الهيستوبوليتيك: دراسة تفاعل الزمن مع الاستراتيجية السياسية في العالم الحديث