من المقاومة إلى السياسة: حماس على مفترق طرق تاريخي ،حكاية التحوّل من البندقية إلى الكلمة

من المقاومة إلى السياسة: حماس على مفترق طرق تاريخي ،حكاية التحوّل من البندقية إلى الكلمة

في صيف عام 1998، وقف الناس في شوارع بلفاست يراقبون مشهداً لم يكونوا يتخيلونه قبل عقد من الزمن: مقاتلون من الجيش الجمهوري الإيرلندي يضعون السلاح جانباً، ليس استسلاماً، بل استجابةً لاتفاق سياسي تفاوضي عُرف باسم "الجمعة العظيمة". لم تكن تلك نهاية الحلم الإيرلندي بالوحدة والاستقلال، بل كانت بداية فصل جديد من فصول النضال، بأدوات مختلفة وساحة معركة أخرى: ساحة السياسة.

هذا المشهد، الذي تكرر بأشكال متعددة في أماكن مختلفة من العالم، يعيد نفسه اليوم في السياق الفلسطيني. حركة "حماس"، التي نشأت في أحضان الانتفاضة الأولى عام 1987 وحملت السلاح دفاعاً عن القضية الفلسطينية، تقف اليوم أمام مفترق طرق مشابه. ليس مفترق الهزيمة والاستسلام، بل مفترق النضج والتحول، مفترق السؤال الكبير: هل يمكن للبندقية أن تتحول إلى كلمة دون أن تفقد معناها؟

حين كان السلاح هو اللغة الوحيدة

في ديسمبر 1987، اندلعت الانتفاضة الأولى في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كانت انتفاضة الحجارة، انتفاضة الشعب الأعزل الذي قرر أن يواجه الدبابات بصدور عارية وإرادة فولاذية. في تلك الأجواء المشحونة، ولدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" كردّ فعل على عقود من الاحتلال والقهر، وكخيار آخر أمام الشعب الفلسطيني الذي بدأ يفقد الثقة في المسارات السياسية التقليدية.

كانت "حماس" في بداياتها امتداداً لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين، لكنها سرعان ما تحولت إلى كيان مقاوم له أجنحته العسكرية وخطابه الجهادي الواضح. كان خطاب المقاومة هو العملة الرائجة، والسلاح هو اللغة التي يفهمها الاحتلال. في ذلك الوقت، لم يكن أحد يتحدث عن التحول السياسي أو المشاركة في انتخابات أو تشكيل حكومات. كان الهدف واضحاً وبسيطاً: تحرير فلسطين بالقوة.

المنعطف الأول: من المقاومة إلى صندوق الاقتراع

لكن التاريخ نادراً ما يسير في خط مستقيم. مع مرور السنوات، وجدت "حماس" نفسها أمام واقع جديد: اتفاقيات أوسلو، قيام السلطة الفلسطينية، وتشكل واقع سياسي جديد في الأراضي الفلسطينية. كان يمكن للحركة أن تظل خارج اللعبة السياسية، محتفظة بنقاء خطابها المقاوم، لكن ذلك كان يعني العزلة التدريجية عن جماهير الشعب الفلسطيني الذي بدأ يبحث عن حلول عملية لمعاناته اليومية.

جاء عام 2006 ليشكل نقطة تحول فاصلة. قررت "حماس" خوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وفازت بأغلبية مفاجئة صدمت العالم والحركة نفسها. فجأة، أصبحت حركة المقاومة حركة حاكمة، ومسؤولة ليس فقط عن رفع شعارات التحرير، بل أيضاً عن توفير الخبز والماء والكهرباء لملايين الفلسطينيين.

كان ذلك الانتقال صادماً ومربكاً. كيف يمكن لحركة بُنيت على خطاب المقاومة المسلحة أن تدير شؤون الحياة اليومية؟ كيف توازن بين خطابها الثوري ومسؤولياتها الإدارية؟ كيف تحافظ على شرعيتها كحركة مقاومة بينما تضطر لاتخاذ قرارات براغماتية قد تتناقض مع مبادئها المعلنة؟

درس إيرلندا: حين ينتصر السلام على السلاح

لفهم ما تمر به "حماس" اليوم، لا بد من العودة إلى تجربة إيرلندا الشمالية، تلك التجربة التي تقدم دروساً عميقة في كيفية التحول من العنف إلى السياسة دون خسارة الهوية أو الهدف.

لعقود طويلة، خاض الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) حرباً ضروساً ضد الوجود البريطاني في إيرلندا الشمالية. كانت حرباً دموية، سقط فيها آلاف القتلى، وعاشت المدن الإيرلندية والبريطانية على حد سواء في رعب دائم من العمليات والهجمات المتبادلة. كان الجيش الجمهوري الإيرلندي يعتبر نفسه حامي الهوية الإيرلندية والممثل الشرعي لحلم الوحدة الإيرلندية، تماماً كما تعتبر "حماس" نفسها حامية المشروع الفلسطيني.

لكن في مطلع التسعينيات، بدأت إشارات التغيير تلوح في الأفق. بدأت محادثات سرية بين قادة الجيش الجمهوري الإيرلندي والحكومة البريطانية، محادثات استمرت سنوات من المد والجزر، من التقدم والتراجع، من الأمل واليأس. كان هناك من يعتبر هذه المحادثات خيانة للقضية، ومن يراها الطريق الوحيد للخروج من دوامة العنف التي لا تنتهي.

في عام 1998، توج هذا المسار بتوقيع اتفاق "الجمعة العظيمة"، ذلك الاتفاق التاريخي الذي أنهى عقوداً من الصراع الدموي. لكن السؤال الذي كان يحير الجميع هو: ماذا عن السلاح؟ كيف يمكن لحركة مسلحة أن تضع سلاحها دون أن تشعر بأنها خسرت معركتها التاريخية؟

هنا تكمن عبقرية الاتفاق الإيرلندي. لم يُطلب من الجيش الجمهوري الإيرلندي أن يسلم كل قطعة سلاح بيده، ولم تُقم احتفالات مُذلة لـ"نزع السلاح". بدلاً من ذلك، كانت هناك عملية تدريجية، عملية شملت الكثير من الغموض الخلاق والمساحات الرمادية. في عام 2005، أعلنت اللجنة المستقلة الدولية لنزع السلاح أن إيرلندا الشمالية أصبحت "خالية من السلاح"، دون أن يُعلن رسمياً عن تسليم كل قطعة سلاح أو تدميرها.

كانت هذه صيغة ذكية سمحت للجميع بالخروج من المأزق بكرامة. الجيش الجمهوري الإيرلندي لم يشعر بأنه استسلم أو تخلى عن قضيته، بل تحول من حركة مسلحة إلى حزب سياسي قوي (شين فين) يمثل الآن أحد أكبر القوى السياسية في إيرلندا الشمالية. والأهم من ذلك، أن الهدف النهائي – وحدة إيرلندا – لم يُتخلَّ عنه، بل تم تأجيل تحقيقه إلى أن تُعبر أغلبية سكان إيرلندا الشمالية عن رغبتهم فيه ديمقراطياً.

التوازي والاختلاف: حماس ليست الـ IRA، وغزة ليست بلفاست

بالطبع، القياس التام بين الحالتين مستحيل. السياق الفلسطيني أكثر تعقيداً بكثير من السياق الإيرلندي. الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي محمّل ببعد ديني وتاريخي يتجاوز مجرد الصراع على الأرض. إسرائيل ليست بريطانيا، والاحتلال الإسرائيلي له طبيعة استعمارية استيطانية مختلفة. والأهم، أن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية أكثر تعقيداً وتشابكاً.

لكن رغم كل هذه الاختلافات، تبقى الدروس الإيرلندية صالحة للتأمل. الدرس الأول هو أن التحول من السلاح إلى السياسة ليس خيانة بل يمكن أن يكون استراتيجية. الدرس الثاني هو أن وضع السلاح لا يعني بالضرورة التخلي عن الهدف النهائي. والدرس الثالث، والأهم، هو أن الصيغ الإبداعية والغموض البناء أحياناً أكثر فاعلية من الحلول الحاسمة الصارمة.

معضلة الشرعية المزدوجة

عندما فازت "حماس" في انتخابات 2006، وجدت نفسها فجأة أمام معضلة الشرعية المزدوجة. من جهة، كانت شرعيتها التاريخية مستمدة من كونها حركة مقاومة ترفض الاحتلال ولا تعترف بإسرائيل ولا باتفاقيات أوسلو. هذه الشرعية هي التي منحتها قاعدتها الجماهيرية الصلبة، وهي التي ميزتها عن حركة فتح التي اتُهمت بالتفريط والتنازلات.

من جهة أخرى، كسبت "حماس" شرعية جديدة: شرعية صناديق الاقتراع، شرعية الديمقراطية التي قبلت بقواعدها ودخلت اللعبة السياسية وفازت فيها. هذه الشرعية الجديدة جاءت مع مسؤوليات جديدة: مسؤولية الحكم، مسؤولية إطعام الجياع، مسؤولية توفير الأمن، مسؤولية بناء الدولة أو على الأقل بناء مؤسسات الحكم.

والسؤال الذي ظل يطارد الحركة منذ ذلك الحين: كيف يمكن التوفيق بين هاتين الشرعيتين؟ كيف تظل حركة مقاومة بينما تدير حكومة؟ كيف تحافظ على خطابها التحريري بينما تتفاوض مع مصر على تهدئة أو مع الأمم المتحدة على إدخال المساعدات؟

هذا التناقض الظاهري ليس فريداً من نوعه. حزب الله في لبنان يعيش الإشكالية نفسها: كيف يكون حزباً سياسياً يشارك في الحكومة والبرلمان، وفي الوقت نفسه ميليشيا مسلحة لها جيشها وقراراها المستقل في الحرب والسلم؟ النموذج اللبناني يظهر أن هذا التوازن ممكن من الناحية العملية، لكنه محفوف بالتناقضات والأزمات المتكررة.

ثمن المقاومة وثمن السياسة

في صيف 2014، خاضت "حماس" حرباً مدمرة مع إسرائيل استمرت 51 يوماً. دُمرت أحياء بأكملها في غزة، وقُتل أكثر من 2000 فلسطيني، معظمهم من المدنيين. عندما انتهت الحرب، وقف سكان غزة وسط الأنقاض يتساءلون: هل كان الثمن يستحق؟

هذا السؤال ليس سؤالاً عسكرياً أو استراتيجياً فقط، بل هو سؤال وجودي بالنسبة لحركة مقاومة. المقاومة المسلحة لها ثمن باهظ، ثمن يدفعه المدنيون قبل المقاتلين. والسؤال الذي يطرح نفسه: في عالم اليوم، حيث التفوق العسكري الإسرائيلي طاغٍ، وحيث الدعم الدولي لإسرائيل راسخ، هل ما زالت المقاومة المسلحة هي الخيار الأنجع؟ أم أن هناك أشكالاً أخرى من المقاومة قد تكون أقل كلفة وأكثر فاعلية؟

هنا يأتي الصوت الآخر، صوت الواقعية السياسية الذي يقول: السياسة أيضاً لها ثمن. ثمنها قد يكون التنازلات، قد يكون الاعتراف بواقع لا تريد الاعتراف به، قد يكون التعامل مع أطراف لا تثق بها. لكن ثمن السياسة عادة أقل دموية من ثمن الحرب.

التجربة الإيرلندية تُظهر أن الانتقال من المقاومة إلى السياسة لا يعني بالضرورة الخسارة. بل على العكس، قد يعني النصر بوسائل أخرى. شين فين، الذراع السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي، أصبح اليوم القوة السياسية الأولى في إيرلندا الشمالية، وأصبح حلم الوحدة الإيرلندية أقرب من أي وقت مضى، ليس بالسلاح، بل بالديمغرافيا والديمقراطية.

الطريق الثالث: التكامل لا التناقض

ربما الخطأ الأكبر في التفكير حول هذه المسألة هو اعتبار المقاومة والسياسة نقيضين لا يلتقيان. الحقيقة أن المقاومة والسياسة يمكن أن تكونا وجهين لعملة واحدة، استراتيجيتين متكاملتين لا متناقضتين.

المقاومة ليست فقط حمل السلاح. المقاومة هي رفض الاحتلال بكل أشكاله وأدواته. هناك المقاومة الثقافية التي تحافظ على الهوية والذاكرة. هناك المقاومة الاقتصادية التي تبني اقتصاداً صامداً لا يعتمد على الاحتلال. هناك المقاومة الدبلوماسية التي تفضح جرائم الاحتلال أمام العالم. هناك المقاومة الشعبية التي تتمثل في الصمود اليومي للفلسطينيين على أرضهم.

السلاح هو أحد أدوات المقاومة، وليس الأداة الوحيدة. وفي سياقات معينة، قد تكون الأدوات الأخرى أكثر فاعلية. القضية الفلسطينية، في جوهرها، هي قضية حق وعدالة. وقضايا الحق والعدالة تُكسب في ساحات متعددة: في المحاكم الدولية، في الإعلام العالمي، في الرأي العام الدولي، في قلوب وعقول الناس حول العالم.

التحديات الداخلية: معركة الذات قبل معركة الآخر

لكن التحول من المقاومة إلى السياسة ليس تحدياً خارجياً فقط، بل هو في الأساس تحدٍ داخلي. إنه تحدٍ في مواجهة الذات، في مراجعة القناعات الراسخة، في الاستعداد للتطور والتغيير.

داخل "حماس"، كما في أي حركة سياسية، هناك تيارات متعددة. هناك التيار الصقوري الذي يرى أن أي تنازل عن السلاح هو خيانة للقضية. هناك التيار البراغماتي الذي يرى أن الظروف تتغير ويجب أن نتغير معها. وهناك التيار الوسطي الذي يحاول الموازنة بين الثوابت والمتغيرات.

الصراع بين هذه التيارات ليس صراعاً على السلطة فقط، بل هو صراع على الهوية، على تعريف الحركة لنفسها، على رؤيتها لمستقبلها ومستقبل القضية الفلسطينية. وهذا صراع طبيعي وصحي، شرط أن يُدار بحكمة وأن لا يؤدي إلى انقسامات تضعف الحركة.

القاعدة الجماهيرية لـ"حماس" أيضاً منقسمة. هناك من يريد من الحركة أن تبقى وفية لخطها المقاوم الأصلي، وهناك من يريدها أن تُحسّن ظروف حياته اليومية. التوفيق بين هذين المطلبين ليس سهلاً، لكنه ضروري لبقاء الحركة وشرعيتها.

العامل الإقليمي: المحيط المتقلب

لا يمكن فهم مسار "حماس" دون فهم السياق الإقليمي المحيط بها. الحركة، منذ نشأتها، كانت جزءاً من شبكة إقليمية معقدة من التحالفات والعداوات. علاقتها مع إيران، مع سوريا، مع قطر، مع تركيا، مع مصر، كلها علاقات متغيرة ومتقلبة تبعاً لتحولات المنطقة.

الربيع العربي أحدث زلزالاً في المنطقة غيّر خريطة التحالفات. صعود الإخوان المسلمين في مصر أعطى "حماس" فرصة ذهبية لكسر العزلة، لكن سقوطهم بعد عام واحد أعادها إلى المربع الأول. الحرب في سوريا أجبرتها على الاختيار بين حليفها السوري-الإيراني والثورة السورية، وهو اختيار صعب كلّفها الكثير.

اليوم، والمنطقة تشهد تحولات جديدة، من التطبيع العربي مع إسرائيل إلى التقارب الإيراني-السعودي، تجد "حماس" نفسها في حاجة لإعادة حساباتها الإقليمية. السؤال هو: هل يمكنها أن تتحول إلى لاعب سياسي مستقل له حساباته الخاصة، أم ستبقى أسيرة تحالفات إقليمية تحد من مساحة مناورتها؟

من بلفاست إلى غزة: الصيغة الممكنة

إذا كانت تجربة إيرلندا الشمالية تقدم أي دروس لـ"حماس"، فالدرس الأهم هو أن التحول يجب أن يكون تدريجياً، براغماتياً، ويحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.

لا يمكن لـ"حماس" أن تعلن فجأة أنها تتخلى عن السلاح أو تعترف بإسرائيل. هذا سيكون انتحاراً سياسياً وشعبياً. لكن يمكنها أن تتحرك تدريجياً نحو مزيد من الانخراط في العمل السياسي، مزيد من التركيز على الحكم وبناء المؤسسات، مع الحفاظ على خطاب المقاومة كثابت هوياتي.

الصيغة الإيرلندية أظهرت أن "الغموض البناء" أحياناً أكثر حكمة من الوضوح المطلق. لم يُطلب من الجيش الجمهوري الإيرلندي أن يعلن استسلامه أو يسلم سلاحه في احتفال علني مذل. بل كانت هناك عملية هادئة، تدريجية، سمحت للحركة بالتحول دون أن تفقد كرامتها أو تخون قاعدتها الشعبية.

التحدي الأكبر: بناء الثقة

لكن التحدي الأكبر في أي عملية تحول من المقاومة إلى السياسة هو بناء الثقة. الثقة بين "حماس" وإسرائيل شبه معدومة. الثقة بين "حماس" والمجتمع الدولي ضعيفة جداً. حتى الثقة بين "حماس" وحركة فتح والسلطة الفلسطينية مهتزة بعد سنوات من الانقسام.

بناء الثقة يحتاج إلى وقت، إلى خطوات تدريجية، إلى وسطاء موثوقين، وفوق كل ذلك، إلى إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف. الوسطاء المصريون والقطريون لعبوا أدواراً مهمة في الماضي، لكن دورهم محدود بحدود مصالحهم الخاصة.

التجربة الإيرلندية أظهرت أن بناء الثقة يمكن أن يحدث حتى بين ألدّ الأعداء، لكنه يحتاج إلى قيادات شجاعة مستعدة لدفع الثمن السياسي. توني بلير وبيل كلينتون لعبا أدواراً محورية في عملية السلام الإيرلندية. هل هناك قيادات دولية اليوم مستعدة للعب دور مماثل في القضية الفلسطينية؟

المصالحة الفلسطينية: الخطوة الأولى

قبل أن تفكر "حماس" في التحول السياسي الكبير، عليها أن تحل مشكلتها الأولى: الانقسام الفلسطيني. منذ عام 2007، والشعب الفلسطيني منقسم بين سلطتين: سلطة في غزة تسيطر عليها "حماس"، وسلطة في الضفة الغربية تسيطر عليها "فتح". هذا الانقسام ليس فقط كارثة وطنية، بل هو أيضاً عائق رئيسي أمام أي تقدم سياسي.

المصالحة الفلسطينية ضرورة قبل أي شيء آخر. لكن المصالحة الحقيقية ليست فقط توقيع اتفاقات في العواصم العربية، بل هي تفاهم عميق على رؤية وطنية مشتركة، على كيفية إدارة المرحلة الانتقالية، على توزيع السلطة والمسؤوليات، وعلى الاستراتيجية الوطنية في مواجهة الاحتلال.

الشعب الفلسطيني، المنهك من سنوات الانقسام، يستحق قيادة موحدة تضع مصلحة فلسطين فوق كل اعتبار حزبي أو فصائلي. هذه القيادة الموحدة هي الشرط الأول لأي تقدم حقيقي، سواء على مسار المقاومة أو على مسار السياسة.

الأفق البعيد: فلسطين ومستقبلها

في نهاية المطاف، السؤال ليس عن "حماس" وحدها، بل عن فلسطين ومستقبلها. القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل أو حركة، وهي قضية شعب بأكمله يبحث عن الحرية والكرامة والعدالة.

الطفل الفلسطيني الذي يولد اليوم في غزة أو الضفة الغربية أو مخيمات اللجوء، لا يهمه كثيراً الجدل الأيديولوجي بين المقاومة والسياسة. يهمه أن يعيش حياة طبيعية، أن يذهب إلى المدرسة دون خوف، أن يحلم بمستقبل أفضل، أن تكون له دولة حقيقية وليست مجرد شعارات.

هذا الجيل الجديد من الفلسطينيين لا يعرف إلا الاحتلال، لا يعرف إلا الحصار، لا يعرف إلا الحروب المتكررة. لقد سئم من الانقسام، من الفساد، من الشعارات الفارغة. يريد قيادة جديدة، رؤية جديدة، طريقاً جديداً للخلاص.

التحول كمسؤولية تاريخية

إن ما تعيشه "حماس" اليوم ليس مجرد تحوّل سياسي عابر، بل هو جزء من مسارٍ أوسع تخوضه الحركات الإسلامية المعاصرة بين متطلبات الشرعية الوطنية واستحقاقات الواقعية السياسية. فكما انتقلت حركات المقاومة في تجارب عدة من خنادق المواجهة إلى ميدان السياسة، فإنّ التحوّل من البندقية إلى الكلمة، ومن المقاومة إلى المشاركة، هو خيار الوعي لا الاضطرار، وهو طريق النضج الذي تتكامل فيه القيم والمصالح من أجل فلسطين ومستقبلها.

الدرس الإيرلندي واضح: السلام ليس خيانة، والتفاوض ليس استسلاماً، ووضع السلاح ليس نهاية الحلم. في عام 2005، عندما أعلنت اللجنة الدولية أن إيرلندا الشمالية أصبحت خالية من السلاح، لم يكن ذلك إعلاناً عن موت القضية الإيرلندية، بل كان إعلاناً عن ميلاد مرحلة جديدة من النضال، بأدوات مختلفة وفي ساحة مختلفة.

لم يُطلب من الجيش الجمهوري الإيرلندي أن يقدم كل قطعة سلاح في احتفال علني، ولم يُجبر على التوقيع على وثيقة استسلام. كان هناك غموض مقصود، مساحة رمادية سمحت للجميع بالخروج بكرامة. وهذا درس مهم: أحياناً، الغموض البناء أكثر حكمة من الوضوح الذي يُذل.

النضج السياسي: القدرة على التطور دون التنكر للذات

النضج السياسي الحقيقي لا يُقاس بالقدرة على رفع السلاح، بل بالقدرة على معرفة متى يُرفع ومتى يُوضع. يُقاس بالقدرة على التمييز بين الثوابت التي لا تُمس والوسائل التي تتغير بتغير الظروف. يُقاس بالشجاعة في مراجعة الذات والاعتراف بأن الطريق الذي سلكناه سنوات قد لا يكون الطريق الأنسب للمرحلة القادمة.

الحركات التي نجحت في التاريخ كانت تلك التي استطاعت التطور دون أن تفقد هويتها، التي تكيفت مع المتغيرات دون أن تتخلى عن ثوابتها. نيلسون مانديلا قضى 27 عاماً في السجن، كان مقاتلاً مسلحاً، لكنه عندما خرج اختار طريق المصالحة والحوار، ونجح في تحقيق ما عجز عنه السلاح: إنهاء نظام الفصل العنصري وبناء جنوب أفريقيا جديدة.

ياسر عرفات، مهما اختلفنا معه أو عليه، كان لديه الشجاعة لتغيير خطابه، من "إلقاء اليهود في البحر" إلى قبول حل الدولتين، من قيادة حركة فدائية إلى قيادة سلطة حكم. ربما لم ينجح في تحقيق كل أهدافه، لكنه أثبت أن التطور ممكن.

بين الذاكرة والأمل: مسؤولية الحاضر تجاه المستقبل

الشعب الفلسطيني يحمل ذاكرة طويلة من النكبات والخيبات. نكبة 1948، نكسة 1967، مذبحة صبرا وشاتيلا، انتفاضتان، حروب متكررة، حصار خانق. كل هذه الذاكرة المثقلة بالألم تجعل الفلسطيني حذراً من أي حديث عن "السلام" أو "التسوية" أو "التنازلات".

لكن الذاكرة، مهما كانت مقدسة، لا يجب أن تكون سجناً يحبس الشعب في الماضي. المسؤولية الحقيقية تجاه شهداء فلسطين وأسراها ولاجئيها ليست في تكرار الفشل، بل في البحث عن طرق جديدة للنجاح. المسؤولية تجاه الأجيال القادمة هي أن نورثهم وطناً قابلاً للحياة، لا مجرد قضية نبكي عليها في المحافل الدولية.

الخيارات الصعبة والشجاعة الحقيقية

قد يقول البعض إن الحديث عن التحول السياسي هو حديث عن الاستسلام، عن التطبيع مع الاحتلال، عن التخلي عن الحقوق. لكن الحقيقة أن الشجاعة الحقيقية ليست في الاستمرار في طريق مسدود لمجرد أننا بدأناه، بل في القدرة على الاعتراف بأن الطريق مسدود والبحث عن بدائل.

الشجاعة الحقيقية هي أن يقف قائد حركة مقاومة أمام جماهيره ويقول: "لقد قاتلنا ببسالة، وقدمنا التضحيات، لكن الوقت حان لنجرب طريقاً آخر." الشجاعة الحقيقية هي أن يختار القائد مصلحة شعبه على شعبيته الشخصية، أن يختار المستقبل على الماضي، أن يختار الحياة على الموت البطولي.

ما فعله قادة الجيش الجمهوري الإيرلندي عندما قرروا وضع السلاح لم يكن جبناً، بل كان شجاعة من نوع آخر. شجاعة مواجهة جمهورك وإقناعه بأن الطريق تغير، بأن النضال يستمر لكن بوسائل أخرى، بأن الحلم لم يمت بل تغيرت فقط طريقة الوصول إليه.

ماذا بعد؟ سيناريوهات المستقبل

أمام "حماس" اليوم عدة سيناريوهات ممكنة:

**السيناريو الأول: الاستمرار على الوضع الراهن.** وهذا يعني استمرار الحصار، استمرار الحروب الدورية، استمرار المعاناة الإنسانية في غزة، واستمرار الانقسام الفلسطيني. هذا السيناريو مريح من ناحية أنه لا يتطلب قرارات صعبة، لكنه كارثي على المدى البعيد.

**السيناريو الثاني: التحول التدريجي نحو العمل السياسي.** يشمل هذا السيناريو تحقيق المصالحة مع فتح، الدخول في إطار منظمة التحرير المُصلحة، التركيز على بناء المؤسسات والحكم الرشيد، والتقليل التدريجي من الخطاب العسكري لصالح الخطاب السياسي. هذا السيناريو صعب ومحفوف بالمخاطر، لكنه يفتح أفقاً جديداً.

**السيناريو الثالث: النموذج اللبناني.** أي الجمع بين الدور السياسي والدور العسكري، المشاركة في الحكم مع الاحتفاظ بالسلاح كورقة ضغط استراتيجية. هذا النموذج قد يبدو جذاباً، لكنه يحمل تناقضات عميقة ظهرت بوضوح في الأزمة اللبنانية.

**السيناريو الرابع: الانفتاح الكامل.** ويشمل الاعتراف بإسرائيل، قبول حل الدولتين، نزع السلاح الكامل مقابل ضمانات دولية ورفع الحصار. هذا السيناريو يبدو بعيد المنال حالياً، لكن التاريخ علمنا أن المستحيل السياسي اليوم قد يصبح واقعاً غداً.

طريق طويل ومعقد

القصة التي بدأت في شوارع بلفاست يمكن أن يكون لها فصل فلسطيني، لكن بخصوصية السياق الفلسطيني وتعقيداته. الدرس الإيرلندي لا يقدم وصفة جاهزة، بل يقدم إلهاماً: أن التحول ممكن، أن السلام ممكن حتى بعد عقود من الدماء، وأن وضع السلاح ليس نهاية القضية بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من النضال.

ما تعيشه "حماس" اليوم هو لحظة فاصلة في تاريخ الحركة وتاريخ القضية الفلسطينية. إنها لحظة اختيار بين الاستمرار في طريق معروف لكنه مسدود، وبين المغامرة في طريق جديد مجهول لكنه قد يفتح آفاقاً لم تكن متاحة من قبل.

التاريخ سيحكم على هذا الجيل من القادة الفلسطينيين، سواء في "حماس" أو "فتح" أو غيرهما، ليس بناءً على فصاحة خطاباتهم أو صرامة مواقفهم، بل بناءً على نتيجة واحدة: هل تركوا فلسطين أفضل مما وجدوها؟ هل قرّبوا الحلم أم أبعدوه؟ هل خدموا الشعب الفلسطيني أم خدموا مصالحهم الفصائلية؟

من بلفاست إلى غزة، من الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى حماس، من البندقية إلى الكلمة – القصة واحدة والدرس واحد: الشجاعة الحقيقية ليست في الاستمرار في القتال إلى الأبد، بل في معرفة متى يأتي وقت السلام. والسلام، كما علمنا التاريخ، ليس خيانة للشهداء بل تكريماً لهم، ليس تخلياً عن الحلم بل طريقاً آخر لتحقيقه.

---

*"في اللحظة التي يصبح فيها السلاح أثقل من أن يُحمل والدم أغزر من أن يُسكب، تأتي لحظة الحكمة: أن نضع البندقية لا لأننا هُزمنا، بل لأننا نضجنا، ولأننا فهمنا أن الحرية تُنتزع بطرق كثيرة، وأن أشرف طريقة هي تلك التي تحفظ كرامة الإنسان وتبني مستقبل الأجيال."*

767 مشاهدة
0 تعليق
رامح مسمار

بقلم

رامح مسمار

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

من المقاومة إلى السياسة: حماس على مفترق طرق تاريخي ،حكاية التحوّل من البندقية إلى الكلمة