ג 28 יול 2026 9:18 am - שעון ירושלים

إدارة الطوارئ تحت الحصار الجغرافي… حين تصبح كل بلدة خط الدفاع الأول

لم يعد الحديث عن إدارة الطوارئ في فلسطين إجراءًا  إداريًا أو ملفًا يُفتح عند وقوع حدث ثم يُغلق بانتهائه. ما تشهده الضفة الغربية من تصاعد اعتداءات قطعان المستوطنين، واقتحام التجمعات السكنية والاعتداء على المواطنين والممتلكات، إلى جانب إغلاق الطرق والبوابات والحواجز، يفرض علينا إعادة النظر جذريًا في الطريقة التي نبني بها منظومة الاستجابة للطوارئ.


فالخطر اليوم لا يتعلق بحادث منفرد يمكن التعامل معه وفق الآليات التقليدية، بل بواقع قد تتحول فيه بلدة كاملة، خلال دقائق، إلى منطقة يصعب الوصول إليها أو الخروج منها.


وهنا يجب أن نسأل بوضوح: ماذا يحدث إذا احتاج مواطن إلى إسعاف عاجل والطريق مغلق؟ ماذا لو اندلع حريق في منزل أو منشأة ولم تستطع مركبة الإطفاء الوصول في الوقت المناسب؟ وماذا لو وقع اعتداء متزامن في أكثر من تجمع سكاني؟


في علم إدارة الطوارئ، لا يجوز أن تُبنى الخطط على افتراض أن الطرق ستبقى مفتوحة، وأن فرق الإسعاف والإطفاء ستصل دائمًا، وأن الموارد المركزية ستكون متاحة عند الحاجة. نحن بحاجة إلى التخطيط للسيناريو الأصعب، لا للسيناريو الأسهل.


وتؤكد الوقائع الحالية خطورة المسألة. فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا أكثر من 1,330 اعتداءً للمستوطنين أدى إلى إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما منذ بداية عام 2026 وحتى 20 تموز، موزعة على نحو 250 تجمعًا فلسطينيًا. كما وثّق اعتداءات ليلية شملت إحراقًا وتخريبًا ورشقًا بالحجارة ومحاولات اقتحام للمنازل.


أما القيود على الحركة، فلم تعد مجرد إزعاج يومي؛ بل أصبحت عاملًا مباشرًا في قدرة منظومات الطوارئ على الوصول إلى الناس. وأفادت شهادات مؤسسات عديدة على رأيها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بأن إغلاق الحواجز والطرق أدى إلى تأخير سيارات الإسعاف في عدة محافظات، واضطر بعضها إلى سلوك طرق أطول، وفي حالات إلى نقل المرضى سيرًا عبر بوابات مغلقة بعد منع المركبات من العبور.


أمام هذا الواقع، لم يعد مقبولًا أن يبقى مفهوم الاستجابة قائمًا فقط على انتظار وصول الفرق من مراكز المدن. المطلوب هو بناء قدرة استجابة موزعة جغرافيًا داخل القرى والبلدات والتجمعات نفسها، تعمل كخط أول إلى حين وصول الأجهزة المختصة، لا كبديل عنها.


وهذا يبدأ من إعادة النظر في توزيع مخزون الطوارئ. فبدل الاعتماد الكامل على مستودعات مركزية كبيرة قد يصبح الوصول إليها مستحيلًا عند إغلاق الطرق، يمكن إنشاء نقاط إسناد موزعة وفق تقييم المخاطر والكثافة السكانية وإمكانية العزل الجغرافي، تحتوي على مستلزمات إسعاف أولي، ومعدات إنقاذ وإطفاء أولي، ومياه واحتياجات أساسية، ووسائل اتصال وتجهيزات تدخل سريع.


لكن المعدات وحدها لا تصنع منظومة طوارئ. المورد الحقيقي الذي لم نستثمر فيه بعد كما يجب هو الإنسان.


في كل بلدة تقريبًا طبيب أو ممرض أو مسعف أو مهندس أو فني أو رجل إطفاء سابق أو صاحب خبرة ميدانية. وهناك آلاف الشباب القادرين على التعلم والعمل والعطاء. لماذا لا نعرفهم مسبقًا؟ ولماذا لا يتم حصر تخصصاتهم وتدريبهم وتنظيمهم ضمن فرق محلية واضحة المهام والمسؤوليات؟


يمكن للنقابات المهنية والمؤسسات الصحية والبلديات والمجالس القروية والمؤسسات المختصة أن تلعب دورًا مختلفًا؛ ليس عبر إصدار البيانات عند وقوع الأزمة، بل بالمشاركة قبلها في بناء القدرة المحلية على مواجهتها.


يمكن، على سبيل المثال، تشكيل فرق طبية تطوعية في التجمعات السكانية بإشراف مهني، تضم الأطباء والممرضين والمسعفين الموجودين أصلًا في كل منطقة، وتدريب أفراد إضافيين على الإسعافات الأولية والنزيف والإصابات والتعامل الأولي مع الإصابات الجماعية. وهذا ليس تصورًا نظريًا؛ فقد دعمت بالفعل عدة منظمات دولية و بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تدريب متطوعين مجتمعيين في مناطق فلسطينية واسعة تعاني قيود الوصول، انطلاقًا من حقيقة أن تأخر سيارات الإسعاف قد يجعل المستجيب المحلي هو المستجيب الأول والأخير في الدقائق الحرجة. 


والأمر نفسه ينطبق على الحرائق. لسنا بحاجة إلى إنشاء محطة إطفاء كاملة في كل قرية، فهذا غير واقعي، لكن يمكن تدريب مجموعة منتقاة من المواطنين في كل تجمع على الاستجابة الأولية الآمنة للحرائق، واستخدام المعدات الأساسية، وتأمين الموقع، والإخلاء، إلى حين وصول فرق الإطفاء المختصة.


ولدينا موارد أخرى قد لا ننظر إليها أصلًا كجزء من منظومة الطوارئ. أصحاب صهاريج المياه، على سبيل المثال، يمثلون قدرة لوجستية منتشرة جغرافيًا. ويمكن، بعد تقييم فني مناسب، تنظيم القادرين منهم ضمن منظومة إسناد، وتدريبهم وتزويد الفرق المؤهلة بمعدات الحماية والتجهيزات الملائمة، بحيث تصبح بعض القدرات المدنية الموجودة أصلًا أداة مساندة أو حتى أساسية عند انقطاع الوصول أو تعدد الحرائق، دون تعريض المدنيين لمهام تفوق تدريبهم أو تجهيزهم.


الأمر ذاته ينطبق على الآليات الثقيلة، والمقاولين، والكهربائيين، والفنيين، ومشغلي المعدات، وأصحاب المركبات المناسبة للنقل. إدارة الطوارئ الحديثة لا تسأل فقط: ماذا تملك الحكومة؟ بل تسأل: ماذا يملك المجتمع كله، وكيف يمكن تنظيمه مسبقًا عندما نحتاج إليه؟


وهنا نصل إلى واحدة من مشكلاتنا المزمنة: كثرة الاجتماعات لا تعني بالضرورة وجود جاهزية.


يمكن أن نجتمع عشرات المرات، ونشكل اللجان، ونكتب الخطط، ونوزع الأدوار على الورق، لكن الاختبار الحقيقي بسيط: إذا أُغلقت الطرق إلى بلدة الليلة ووقع فيها اعتداء و حرائق و إصابات متعددة، من سيدير الدقائق الثلاثين الأولى؟ أين المعدات؟ من يعرف أسماء الكوادر الطبية الموجودة داخلها؟ من يملك وسيلة الاتصال البديلة؟ ومن يمتلك صلاحية التحرك؟


إذا لم تكن الإجابات معروفة مسبقًا، فما زال أمامنا عمل حقيقي يجب إنجازه.


مشكلتنا ليست دائمًا في نقص الإمكانيات؛ ففي كثير من الأحيان لدينا الإنسان والخبرة والمعدات، لكننا لا نمتلك الآلية التي تجمعها. لدينا أصحاب خبرات لا يعرف أحد عن قدراتهم، ومتطوعون بلا إطار واضح، ومؤسسات تعمل كل واحدة منها ضمن نطاقها، وموارد قد تكون على بعد مئات الأمتار من موقع الحدث دون أن تكون جزءًا من خطة الاستجابة.


لذلك، نحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة المؤسسات إلى إدارة القدرات؛ قاعدة بيانات محدثة للموارد البشرية والمادية في كل تجمع، فرق محلية مدربة، نقاط إسناد موزعة، نظام اتصال واضح، قيادة محددة، تدريبات وتمارين دورية، ومسؤوليات وصلاحيات معروفة قبل وقوع الحدث.


وهذا كله يجب أن يعمل تحت مظلة رسمية واضحة وبالتنسيق مع الجهات المختصة، لأن الهدف ليس إنشاء منظومات موازية للدولة، بل زيادة قدرة مؤسساتها على الوصول إلى المواطن عندما يمنع الواقع وصولها إليه.


نحن نعيش تحت احتلال وحشي، وفي بيئة يمكن أن يتغير فيها الوصول الجغرافي خلال دقائق. لذلك فإن اللامركزية المدروسة في قدرات الطوارئ لم تعد خيارًا تنظيميًا جميلًا، بل أصبحت ضرورة لحماية الناس.


المواطن الذي يعيش في قرية بعيدة يجب ألا يصبح بلا حماية لمجرد إغلاق بوابة، والبلدة التي يُقطع طريقها بساتر ترابي يجب ألا تُقطع معها قدرتها على الإسعاف والاستجابة الأولية.


لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطط التي تنتهي على رفوف المكاتب، بقدر حاجتنا إلى أشخاص يعرفون ماذا يفعلون، ومعدات موجودة حيث نحتاجها، ومسؤول يعرف متى يتخذ القرار.


لدينا الطاقات، ولدينا الخبرات، ولدينا مجتمع أثبت مرارًا قدرته على العطاء.


ما نحتاجه الآن هو أن نحسن تنظيم هذه القوة قبل أن نحتاج إليها؛ لأن حماية المواطن في فلسطين لم تعد مسؤولية جهاز أو مؤسسة منفردة، بل مسؤولية وطنية تبدأ من أصغر تجمع سكاني وتنتهي بمنظومة دولة قادرة على حماية شعبها أينما كان.

תגים

שתף את דעתך

إدارة الطوارئ تحت الحصار الجغرافي… حين تصبح كل بلدة خط الدفاع الأول

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.