عادت التساؤلات الحساسة لتتصدر المشهد السياسي والعسكري في الولايات المتحدة مع دخول المواجهة العسكرية مع إيران شهرها الخامس، حيث يبرز سؤال جوهري حول حجم ما تبقى من صواريخ في الترسانة الأمريكية. وتتمسك واشنطن بسياسة التعتيم الكامل على أرقام مخزونها من الذخائر الإستراتيجية، وسط تقارير تشير إلى ضغوط متزايدة على سلاسل التوريد الدفاعية.
تعتمد العقيدة العسكرية الأمريكية بشكل مكثف على الصواريخ لتنفيذ الضربات الهجومية الدقيقة، بالإضافة إلى دورها المحوري في منظومات الدفاع الجوي المخصصة لاعتراض المسيرات والصواريخ المعادية. ومع استمرار العمليات القتالية بوتيرة مرتفعة، يتصاعد القلق بشأن معدلات استهلاك هذه الذخائر وقدرة المصانع الحربية على تعويضها في أوقات قياسية.
أشارت تقديرات صادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن عملية إنتاج بعض أنواع الصواريخ المتطورة ليست بالأمر الهين، إذ قد تستغرق فترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات. ويعود هذا التأخير الزمني إلى تعقيد العمليات التصنيعية والحاجة إلى مكونات تقنية دقيقة لا تتوفر بسهولة في الأسواق العالمية.
في محاولة لتدارك الموقف، يمارس البيت الأبيض ووزارة الدفاع ضغوطاً مكثفة على كبرى شركات الصناعات الدفاعية لرفع وتيرة الإنتاج وتجاوز العقبات البيروقراطية. إلا أن خبراء عسكريين يؤكدون أن تسريع الإنتاج يواجه حدوداً تقنية ولوجستية، خاصة فيما يتعلق بالصواريخ المتقدمة التي تتطلب سلاسل توريد عالمية معقدة.
تعتبر الإدارة الأمريكية أن البيانات المتعلقة بحجم الذخائر تندرج ضمن أسرار الأمن القومي الأكثر حساسية، ولا يتم الإفصاح عنها حتى في فترات الاستقرار والسلم. ويرى المسؤولون أن الشفافية في هذا الملف قد تمنح خصوماً مثل روسيا والصين وإيران معلومات مجانية حول ثغرات الجاهزية القتالية للجيش الأمريكي.
إن الكشف عن أرقام مخزون الذخائر قد يمنح الخصوم مؤشرات على نقاط القوة أو الضعف في القدرات العسكرية الأمريكية، وهو ما يؤثر مباشرة في حساباتهم الإستراتيجية.
من جانبه، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب طمأنة الأوساط السياسية بتأكيده أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات صاروخية كافية لتغطية كافة احتياجاتها العملياتية. ورغم هذه التصريحات، إلا أن النقاشات الداخلية في البنتاغون تعكس قلقاً حقيقياً من استنزاف المخزون في حال توسع رقعة الصراع الإقليمي.
نقلت مصادر إعلامية عن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، توصيات بضرورة مراجعة الحملات العسكرية الحالية بعد تحقيق الأهداف الأولية المحددة. وتأتي هذه التوصيات في ظل مخاوف من أن الاستمرار في استهلاك الصواريخ الاعتراضية قد يترك القوات الأمريكية مكشوفة أمام تهديدات مستقبلية غير متوقعة.
حذر الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، من أن التراجع المستمر في مخزونات صواريخ الدفاع الجوي يرفع مستوى المخاطر التي تواجه الجنود الأمريكيين وحلفاء واشنطن في المنطقة. وأوضح أن الحفاظ على توازن دقيق بين الاستهلاك والاحتياط الإستراتيجي بات ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل.
كشفت تقارير صحفية أن الإدارة الأمريكية اضطرت لتأجيل تصعيد عسكري كان مخططاً له لمدة أسبوعين، وذلك بعد دراسة معمقة لكلفة العمليات العسكرية. وجاء هذا القرار بعد موازنة دقيقة بين العوائد الميدانية المتوقعة وبين استنزاف الذخائر الإستراتيجية التي يصعب تعويضها على المدى القصير.
يبقى ملف الترسانة الصاروخية الأمريكية صندوقاً أسود يثير فضول الخصوم والحلفاء على حد سواء، بينما تواصل واشنطن دراسة خياراتها للحفاظ على التفوق العسكري. وتظل المعادلة الصعبة تكمن في كيفية إدارة حرب استنزاف طويلة الأمد دون المساس بالحد الأدنى من مخزون الردع الإستراتيجي العالمي.





שתף את דעתך
غموض الترسانة الأمريكية: لماذا ترفض واشنطن كشف حجم مخزونها الصاروخي؟