أعادت جمعية الثقافة والفكر الحر في قطاع غزة إحياء نشاط معمل الفسيفساء الذي توقف قسراً خلال أشهر الحرب الماضية. وتستهدف هذه الخطوة فئة الأطفال واليافعين، سعياً لاستنهاض هممهم واكتشاف مواهبهم الكامنة وتحويلها إلى واقع ملموس عبر فن تشكيلي عابر للعصور.
ويبرز في هذا النشاط الفني الاعتماد الكلي على ما تبقى من إمكانيات نجت من القصف، حيث تشكل أنقاض المنازل المدمرة وحجارتها الركن الأساسي في إنجاز اللوحات. ويقوم المشاركون بجمع الحجارة من بين الركام وإعادة تشكيلها لتصبح قطعاً فنية تروي قصص الصمود والبقاء.
وأفادت مصادر فنية بأن العملية تبدأ بتدريب الأطفال عبر دورات مكثفة تتناول تقنيات العمل الدقيقة بالفسيفساء. وأوضح الفنان التشكيلي محمد أبو لحية أن هذا المجال يتطلب صبراً طويلاً ودقة متناهية، حيث تستغرق تهيئة الطفل وتدريبه شهوراً لضمان إتقان التنفيذ.
ويرتكز التدريب داخل المعمل على الموروث الثقافي الفلسطيني، من خلال محاكاة مشاهد تراثية تعود لما قبل عام 1948. وتتنوع هذه المشاهد لتشمل صور الفلاح الفلسطيني، والمرأة بالثوب المطرز، وأشجار الزيتون، ومشاهد البحر التي تعزز الهوية الوطنية في نفوس الصغار.
ويعتبر القائمون على المبادرة أن الفسيفساء فن مستدام يحافظ على رونقه رغم تقلبات الزمن وعوامل التعرية. وتعد الجداريات التي يتم إنشاؤها بمثابة وثائق تاريخية مرئية، تهدف إلى تخليد الذاكرة الفلسطينية وحمايتها من الاندثار في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع.
نستخرج الحجارة من تحت الركام ونعيد تدويرها لتثبيتها على الجدران كفن مستدام يتحدى التعرية والزمن.
وتواجه المبادرة تحديات جسيمة تتعلق بشح المواد الخام وفقدان الأدوات الأساسية اللازمة للقص والتركيب. وأشارت مصادر محلية إلى غياب مادة الإسمنت، مما دفع الفنانين للابتكار عبر طحن الطوب وخلطه لتوفير بدائل تمكنهم من تثبيت الأعمال الفنية على الجدران.
ووجدت الطفلة كنان رمضان، البالغة من العمر 14 عاماً، في هذا الفن وسيلة للتفريغ النفسي بعد إصابتها في قصف استهدف منزل عائلتها. وتقول كنان إن انخراطها في تركيب الفسيفساء ساعدها على تجاوز آلامها الجسدية والنفسية بعد أشهر من العجز عن الحركة.
من جانبها، تشارك الفتاة عناية أبو هدروس في المعمل لترميم لوحات فنانين سابقين وتنمية قدراتها الإبداعية رغم نقص الألوان. وتؤكد عناية أن الهدف هو الحفاظ على التراث الفلسطيني وإخراج اللوحات بصورة مقبولة تعكس إرادة الحياة رغم عدم اكتمال الأدوات.
ويستمر الأطفال في غزة بتحويل مآسي الحرب إلى لوحات جمالية تنبض بالحياة، متحدين نقص الإمكانيات والحصار. وتعد هذه التجربة نموذجاً فريداً في استخدام الفن كأداة للمقاومة الثقافية والعلاج النفسي في آن واحد، محولين رماد الدمار إلى فسيفساء ملونة.





שתף את דעתך
من ركام الدمار.. أطفال غزة يحيون فن الفسيفساء لتوثيق التراث ومواجهة آثار الحرب