א 26 יול 2026 10:17 am - שעון ירושלים

حق الدفاع عن النفس


بينما انشغلت أوساط واسعة في الرأي العام بالتطورات المتلاحقة في الاراضي الفلسطينية المحتلة عملت ماكينة الإعلام الاحتلالية على تصوير ما جرى بصورة مغايرة تماماً للواقع، والترويج -كما يجري دوماً- من خلال قلب الحقائق وإظهار الأمور بعكس مجرياتها. وما جرى في سهل بيت فوريك شرق نابلس وما تبعه في تل جنوب غرب يُعد تطوراً نوعياً مغايراً من حيث الشكل والمضمون لأحداث أُخرى مماثلة وقعت مؤخراً في دير جرير، وسنجل والمغير وغيرها على مدار الأسابيع الماضية، لكن بقي السؤال الذي لم يطرحه أحد في الأوساط التي "تأثرت" وتحركت عواطفها لمقتل مستوطنين، السؤال الذي يجب أن تنصب حوله قبل فحص الرواية هو: ما الذي كان يفعله الضابط في جيش المستوطنين الرائد بنياهو ميليت، وزميله العريف يوفال عزرا في تل بين بيوت الناس ووسط مدنيين عزل؟! عشرات المستوطنين المدججين بالسلاح بعضهم بالزي الرسمي لجيش الاحتلال لم يكونوا على مقربة من منازل المواطنين فقط، بل كانوا على مسافة صفر منها، هم في الحقيقة كانوا بين البيوت، "شكلوا خطورة" على حياة الناس الذين هبوا للدفاع عن بلدتهم.
شاهد العالم مقاطع متداولة تظهر بوضوح عملية الاعتداء الموثقة، لكن أحداً في هذا العالم الأخرس -مع استثناءات محدودة للغاية- لم يُحمل المسؤولية لميليشيات المستوطنين المنظمة التي تقف خلفها دولة كاملة تسليحاً وتدرييباً وتمويلاً، فمشاهد قدوم جيش الاحتلال للقرية لتوفير الغطاء كالعاده لمثل هذه الاعتداءات كانت واضحة ليس فقط أنه لم يحاول التدخل لمنع وقوع المجزرة، وإنما هو "الجيش" من باشر في الاعتداء بوحشية على السكان الذين شعروا بالرعب على أطفالهم وممتلكاتهم وأرضهم، وعطفاً على التساؤل حول ماذا كانوا يفعلون في القرية صبيحة يوم عطلة رسمية "الجمعة" يُطرح سؤالٌ مهم آخر حول تفعيل مبدأ حق الدفاع عن النفس المكفول بالقانون الدولي عندما يتعرض البيت والمزروعات والمواشي للاعتداء! أليس حقاً مَصوناً بحكم القانون الدولي؟!
ومن هنا والحالة هذه لماذا هذه الزوبعة لتصوير القاتل محل الضحية المستوطن وصاحب الأرض؟! لماذا لا تسمى الأُمور بمسمياتها؟ هل ذهب فاروق رمضان ومارس الاعتداء على مستوطن؟! مع أن الأخير يغتصب الأرض ويدوس يومياً كل الأعراف الدولية، القتيل معروف تماماً، فهو يبني البؤر باعتراف الاحتلال، هو أحد ضباط أمن المستوطنة "البؤرة" التي جرى بناؤها مؤخراً، وهي مثلما كل الاستيطان غير شرعية، بل هي جريمة حرب تتوجب إزالتها بقوة الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
إذاً، لماذا هذا النعيق والالتفات إلى فعل طبيعي لأي شخص يتعرض للإهانة والاعتداء كأبسط حق من حقوقه، وهو الدفاع عن نفسه وأهله وبلده وعرضه، بدلاً من توجيه الأنظار للحملات التي تشنها ميليشيات المستوطنين يومياً في الأراضي الفلسطينية أعمالاً لأجندة الخراب التي تنشرها في أرضنا، من جنين شمالاً إلى مسافر يطا جنوباً؟ وبالنسبة للمقتلة المتواصلة في قطاع غزة، لماذا لا يتم السؤال عن عدد الضحايا التي خلفتها اعتداءات المستوطنين أكثر من 50 شهيداً ارتقوا برصاصهم منذ مطلع العام وهم المدعومون من كل الأوساط، بمن فيها "وزيرهم" الذي يحرض على الترانسفير والتطهير العرقي دون أن يتم تقديمه للمحاكمة.
ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية هو جزء يسير من حملة مسعورة تترافق مع الانتخابات الجاري التحضير لها نهاية العام، وهي امتداد لما يجري من عمليات إعدام شبه يومية واقتحامات واسعه بحماية جيش الاحتلال لعشرات القرى والبلدات، فما جرى في تل وما جرى في سهل بيت فوريك هو في إطار حق الدفاع عن النفس، وليس له اسم آخر، فالضحية من حقها أن تصرخ وهي تتلقى الضربات المتتالية من جلاد ظالم بغير وجه حق لا يمت للإنسانية بصلة، حرق السهول والمزروعات، وإضرام النار في مصدر رزق المزارعين، وسرقة المواشي، والعربدة اليومية في قلب القرى والبلدات، هو في ذات الوقت يضرم ناراً لا يكتوي الفلسطيني بها وحده "وعلى الباغي تدور الدوائر".
شتان ما بين صاحب الأرض وسارق الأرض الدخيل الطارئ عليها وما جرى من اعتداءات واسعه في أعقاب مقتل الجنود المستوطنين الذين اقتحموا تل وبيت فوريك، هو في الحقيقة منع وقوع مجزرة دموية كان يخطط لها لولا (فزعة) الأهالي وصحوتهم، هذه الاعتداءات تؤسس لحالة أُخرى يزداد فيها إرهاب المستوطنين المتوقع أن يتصاعد خلال الأسابيع القادمة بتحريض مباشر من بن غفير وسموتريتش، والدفع بألوية وسرايا إلى الضفة الغربية ينذر بوقوع المزيد من الأعمال العدوانية بحق القرى والبلدات بذريعة أمنية أو محاربة "الإرهاب"، الإرهاب الحقيقي هو ما يعشعش في عقول تتغذى على الحقد، ومن يسكن بيت ليس له، وأرض ليست ملكه هو يعرف تماماً أنها مسروقة ومصادرة وليست له أيضاً، يعرف أن الشعور بالخوف سيلاحقه في كل خطوة فيها، فالقاتل دوماً يلتفت خلفه ولن يعيش بأمان واستقرار مهما حاول من قتل وتدمير -ليس له إلا الرحيل-، هو يدرك هذه الحقيقة؛ أن وجوده ليس طويلاً، وجوده مؤقت وغير طبيعي، وجهه لا يشبه الأرض، لغته ليست لغة الأرض، تفاصيل يومية، لا يحياها بشكل يمت لهذه الأرض؛ تراثه.. حياته.. تقاليده.. حتى المشي فيها، هو يدرك أنه لن يبقى هنا لوقت طويل، بعكس الفلسطيني الذي يعرف تفاصيلها، ويعرف لغتها ويعرف تراثها، هذا جوهر ما يقوم به الاحتلال من محاولات لإطالة أمد مكوثه الطارئ فيها. ومع هذا الأمر، من ناحية فلسطينية المطلوب أمام هذه التطورات خطوات فعلية واضحة بعيداً عن شعار دعم الصمود، وصولاً إلى إجراءات فعلية لحماية الوجود؛ لجان حراسة وحماية شعبية في القرى والبلدات، عليها اليقظة من غدر وتوسيع عملية الاعتداءات، ليس فقط في تل وبيت فوريك ودير جرير والمغير وأبو فلاح وعشرات القرى، وإنما تكون امتداداً أفقياً واسع النطاق، ليشمل كل الريف الفلسطيني صاحب المراس الطويل في مقارعة الاحتلال ليثبت مرة أُخرى ومن جديد لهؤلاء الغرباء أن الأرض لها فقط لغة واحدة، وأن ظل الفلسطيني فوقها لا ظل سواه، فهو صاحب الدار الجدير بها، وهو سيبقى وما سواه زائل.
اليوم يتوجب الضغط والعمل باتجاه خلق إرادة دولية جدية لكبح جماح ما تخطط له دولة الاحتلال خلال الفترة المقبلة، ليس أقلها حماية الشعب الفلسطيني، وإقرار خطة دولية متكاملة من أجل معالجة ما تقوم به دولة الاحتلال في الأراضي المحتلة. إن إنقاذ القرى والبلدات مسؤولية واجبة النفاذ على عاتق الأمم المتحدة ومؤسساتها، ومن ينتظر رحيل الفلسطيني عليه أن ينتظر طويلاً، فلا رحيل مرة أُخرى -إما نعيش هنا أو نموت بكرامة هنا أيضاً-.
* عضو المجلس الوطني الفلسطيني.




תגים

שתף את דעתך

حق الدفاع عن النفس

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.