א 26 יול 2026 10:04 am - שעון ירושלים

حين يصبح الحب إلغاءً للذات


ليست كل الفضائل تؤدي إلى نتائج فاضلة، فبعضها حين يفقد حدوده يتحول إلى نقيضه. والتضحية واحدة من أكثر القيم تعرضًا لهذا التحول. فما يبدو في بدايته تعبيرًا نبيلاً عن الحب، قد يصبح في نهايته سببًا في اختلال العلاقة بين الآباء والأبناء. وليس لأن التضحية خطأ، بل لأن الحب حين يخلو من الحكمة قد يربي الاعتماد بدل المسؤولية، والاستحقاق بدل الامتنان.
تبدأ الحكاية غالبًا بجملة تتكرر في بيوت كثيرة: "المهم أولادي." تؤجل الأم علاجها، وتتنازل عن راحتها، وتؤخر أحلامها، وتبيع ما ادخرته، ثم تمضي مطمئنة لأنها تعتقد أن أبناءها يرون ما تفعل. لكنها تغفل حقيقة نفسية بسيطة؛ أن الطفل لا يرى دائمًا حجم التضحية، بل يرى النتيجة التي اعتاده.
يبين ألبرت باندورا أن الطفل يتعلم بالنمذجة أكثر مما يتعلم بالمواعظ. فإذا اعتاد أن يرى كل رغبة تتحول إلى استجابة، وكل غضب ينتهي بتنازل، فإنه لا يتعلم الامتنان، بل يتعلم أن العالم يعيد ترتيب نفسه من أجله.
ويضيف جون بولبي أن التعلق الآمن لا يقوم على الحب وحده، وإنما على حدود تمنح الطفل شعورًا بالأمان. فالأم التي تعجز عن قول "لا" خوفًا من خسارة حب أبنائها، لا تبني علاقة أكثر دفئًا، بل قد تبني علاقة أقل توازنًا.
أما جيفري يونغ فيصف هذا النمط بما يسمى "مخطط التضحية بالذات"، حين تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بقدر ما يعطي، حتى يغدو الاهتمام بنفسه شعورًا بالذنب.
أحيانًا لا يكون الابن جاحدًا، بل يكون ضحية لتربية أقنعته أن ما يحصل عليه حق طبيعي، لا هدية تستحق الشكر. وفي مجتمعاتنا يزيد الأمر تعقيدًا عندما تتحول صورة "الأم المثالية" إلى امرأة لا يحق لها أن تتعب ولا أن ترفض ولا أن تطالب بحقها في حياة كريمة. فإذا دافعت عن نفسها قيل إنها أنانية، وإذا احتفظت بجزء من مالها أو وقتها اتهمت بالتقصير. وكأن الأم مطالبة بأن تعيش لأبنائها، لا معهم.
والأشد قسوة أن بعض الأبناء يبدأون التعامل مع ممتلكات والديهم وكأنها إرث مؤجل، فيتدخلون في قراراتهم المالية، أو يفرضون عليهم أنماطًا من العيش، وكأن الشيخوخة تعني انتهاء الحق في الاستقلال. وهذه ليست أزمة قانونية فحسب، بل أزمة أخلاقية وتربوية تكشف خللًا في مفهوم البر، وفي فهم العلاقة بين الحقوق والواجبات.
إن البر لا يبدأ حين يشيخ الوالدان، بل يبدأ حين يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الحب لا يعني الاستحقاق المطلق، وأن العطاء لا يلغي حق صاحبه في نفسه. فالأم التي تحافظ على كرامتها لا تحب أبناءها أقل، بل تعلمهم أن الإنسان، مهما أحب، لا ينبغي أن يختفي من أجل الآخرين. فهل نربي أبناءً يعرفون كيف يأخذون الحب، أم أبناءً يعرفون أيضًا كيف يردونه؟ وهل تكون الأم أكثر عطاءً حين تفني نفسها، أم حين تعلم أبناءها أن احترامها جزء من برها؟



תגים

שתף את דעתך

حين يصبح الحب إلغاءً للذات

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.