ש 25 יול 2026 1:06 pm - שעון ירושלים

التعليم المهني والتقني في فلسطين… ضرورة وطنية لمواءمة التعليم مع سوق العمل

الدكتور رائد الجلاد: رئيس مركز القدس نقابة أطباء  الأسنان الأردنية 


أتقدم بدايةً إلى بناتنا وأبنائنا الناجحين في امتحان شهادة الثانوية العامة (التوجيهي)، وإلى ذويهم، بأصدق التهاني والتبريكات، متمنياً لهم مستقبلاً زاهراً، ولشعبنا الفلسطيني الحرية والكرامة والسلام. ومع بدء الطلبة رحلة اختيار تخصصاتهم الجامعية، يراود معظمهم حلم مشروع يتمثل في الحصول على تعليم نوعي يقود إلى فرصة عمل كريمة ومستقبل مستقر. غير أن هذا الحلم يصطدم اليوم بواقع اقتصادي وتعليمي يفرض علينا إعادة النظر في فلسفة التعليم وسياساته، بما يحقق التوازن بين طموحات الشباب واحتياجات سوق العمل.


لقد اتسعت الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في فلسطين بصورة مقلقة، حتى أصبحت إحدى أبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تستوجب المعالجة العاجلة. ويعود ذلك إلى عوامل متداخلة، في مقدمتها التوسع الكبير في القبول الجامعي في عدد من التخصصات، مثل الطب وطب الأسنان والهندسة والحقوق والصيدلة وعلوم الحاسوب، دون أن يقابله نمو مماثل في قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب هذه الأعداد من الخريجين.


وزادت هذه الفجوة اتساعاً نتيجة التراجع المستمر في الأداء الاقتصادي والإنتاجي، بفعل سياسات الاحتلال وما يفرضه من قيود على الاقتصاد الفلسطيني، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية والعالمية التي أثرت في الاستثمار والإنتاج وفرص العمل. وأمام هذا الواقع، بات القطاعان العام والخاص عاجزين عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، الأمر الذي انعكس مباشرة على معدلات البطالة، ومستويات الدخل، والاستقرار الاجتماعي.


وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى حجم هذا التحدي؛ إذ بلغ معدل البطالة بين حملة الدبلوم المتوسط فأعلى في الضفة الغربية نحو 23.3% خلال الربع الأخير من عام 2025، مع تفاوت واضح بين التخصصات. فقد وصلت البطالة بين خريجي الفنون والعلوم الإنسانية إلى 40.1%، وبين خريجي الخدمات الشخصية إلى 36.5%، وبين خريجي خدمات الرفاه إلى 33.8%، في حين انخفضت إلى 14.2% بين خريجي الهندسة والحرف الهندسية، و15.5% بين خريجي الصناعات التحويلية، و18.8% بين خريجي التخصصات الصحية.


ولا تعكس هذه الأرقام أزمة بطالة فحسب، بل تكشف عن خلل هيكلي في التخطيط للتعليم العالي. فالكثير من الخريجين يجدون أنفسهم مضطرين للعمل في مهن لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم، أو البقاء دون عمل لسنوات طويلة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، وعدم قدرة معظم المؤسسات على تحسين الأجور بسبب ضعف النمو الاقتصادي. وقد أدى ذلك إلى تراجع مستوى المعيشة، وتصاعد رغبة أعداد متزايدة من الشباب في الهجرة بحثاً عن فرص أفضل، وهو ما يمثل استنزافاً خطيراً لرأس المال البشري الفلسطيني.


إن معالجة هذا الواقع لم تعد تحتمل الحلول الجزئية، وإنما تتطلب إطلاق خطة وطنية شاملة تشارك في إعدادها وتنفيذها الحكومة، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة العمل، والجامعات والكليات، ومؤسسات التعليم والتدريب المهني، والقطاع الخاص، والنقابات المهنية، بحيث تقوم على مواءمة حقيقية بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الوطني، وربط السياسات التعليمية بخطط التنمية والاستثمار.


وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية وزارة التربية والتعليم في إعادة تقييم سياسات التوسع في البرامج الأكاديمية، بحيث لا يتم اعتماد أي برنامج جديد إلا بعد إجراء دراسات علمية دقيقة تثبت حاجة سوق العمل إليه، مع تنظيم أعداد المقبولين في مختلف التخصصات وفق مؤشرات واضحة تستند إلى توقعات العرض والطلب. كما ينبغي وضع معايير أكثر صرامة لاعتماد البرامج الأكاديمية، تضمن توافر الكفاءات الأكاديمية المؤهلة، والمختبرات، والبنية التحتية، والتجهيزات العملية اللازمة، لأن جودة التعليم لا تتحقق بالتوسع في أعداد البرامج، بل بقدرتها على تخريج كفاءات مؤهلة وقادرة على المنافسة.


ولا يقل أهمية عن ذلك تحديث المناهج بصورة دورية، وربط التعليم الأكاديمي بالتدريب العملي داخل مؤسسات الإنتاج والخدمات، وتوسيع برامج التدريب التعاوني، وإنشاء مجالس قطاعية تضم ممثلين عن الجامعات، والقطاع الخاص، والنقابات المهنية، لتحديد المهارات المطلوبة، ومراجعة الخطط الدراسية باستمرار بما يواكب التطورات المتسارعة في سوق العمل.


وفي المقابل، أصبح من الضروري إعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني بوصفه أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية، وليس خياراً تعليمياً من الدرجة الثانية كما يعتقد البعض. فالتجارب الدولية أثبتت أن الاقتصادات القوية تقوم على التوازن بين التعليم الأكاديمي والتعليم المهني، وأن سوق العمل يحتاج إلى الفنيين والمهنيين المهرة بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى الأطباء والمهندسين والمحامين.


إن نجاح التعليم المهني والتقني في فلسطين يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، إلى جانب إطلاق حملة وطنية لتغيير الصورة النمطية السائدة تجاه هذا النوع من التعليم، من خلال إبراز قصص النجاح، وإظهار الفرص الوظيفية والدخل المجزي الذي توفره العديد من المهن التقنية، وربط التدريب المهني مباشرة باحتياجات المشاريع الصناعية والإنشائية والطاقة والتكنولوجيا والخدمات الصحية.


إن الاستثمار في التعليم المهني والتقني ليس بديلاً عن التعليم الأكاديمي، بل هو استثمار في مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، وركيزة أساسية لتعزيز الإنتاج، وخفض البطالة، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود في مواجهة التحديات.


وفي الختام، فإن نجاح منظومة التعليم في فلسطين لا يقاس بعدد الجامعات أو أعداد الخريجين، وإنما بقدرتها على إعداد كوادر تمتلك المعرفة والمهارة، وتجد مكانها الطبيعي في سوق العمل. فكلما ارتبطت البرامج التعليمية والتدريبية باحتياجات الاقتصاد الوطني، ارتفعت فرص تشغيل الخريجين، وانخفضت معدلات البطالة، وتعززت قدرة الاقتصاد الفلسطيني على النمو والاستدامة. إن الاستثمار الحقيقي ليس في الشهادات وحدها، بل في الإنسان القادر على الإنتاج والإبداع والمساهمة في بناء وطنه، وهذا هو التحدي الأكبر الذي ينبغي أن تتكاتف من أجله جميع المؤسسات الوطنية.

תגים

שתף את דעתך

التعليم المهني والتقني في فلسطين… ضرورة وطنية لمواءمة التعليم مع سوق العمل

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.