ו 24 יול 2026 3:48 pm - שעון ירושלים

لماذا اختار يوسف العظمة المواجهة في ميسلون رغم حتمية الهزيمة العسكرية؟

لم يترك وزير الحربية السوري يوسف العظمة وثيقة صريحة تعلن خروجه لمعركة خاسرة، إلا أن سياق الأحداث التي سبقت مواجهة ميسلون يشير إلى إدراك عميق باستحالة النصر العسكري التقليدي. فقد كان العظمة ضابطاً محترفاً يدرك تماماً الفوارق الشاسعة بين القوة التي استطاع حشدها وبين ترسانة الجيش الفرنسي المتقدمة نحو دمشق.

غادر العظمة العاصمة السورية مساء الثالث والعشرين من يوليو عام 1920، متجهاً نحو ممر ميسلون الاستراتيجي ليرسم بدمه فصلاً جديداً في تاريخ المقاومة. وفي صباح اليوم التالي، خاضت قواته غير المتكافئة معركة قصيرة ضد جيش فرنسي مدجج بالدبابات والطائرات، انتهت باستشهاده وانهيار خطوط الدفاع الأمامية.

تعود جذور الأزمة إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، حين تشكلت إدارة عربية في دمشق بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، راهنت على وعود الحلفاء بالاستقلال. لكن هذه الطموحات اصطدمت سريعاً باتفاقيات تقسيم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا، مما وضع الحكومة السورية الناشئة في مأزق بين المطالب الوطنية والضغوط الاستعمارية.

في الثامن من مارس 1920، أعلن المؤتمر السوري العام استقلال البلاد وتنصيب فيصل ملكاً، لتبدأ رحلة المملكة العربية السورية قصيرة العمر دون اعتراف دولي. وسرعان ما جاء الرد من مؤتمر سان ريمو الذي منح فرنسا حق الانتداب، معتبراً الدولة السورية كياناً مؤقتاً يحتاج لوصاية خارجية حتى يقوى على إدارة شؤونه.

تولى يوسف العظمة مهام وزارة الحربية ورئاسة الأركان في ظروف بالغة التعقيد، حيث حاول لملمة شتات السلاح العثماني وتنظيم الوحدات العسكرية. ومع ذلك، كان الجيش الذي بناه يفتقر للموارد المالية والغطاء السياسي الدولي، مما جعله غير قادر على خوض حرب استنزاف طويلة ضد قوة عظمى مثل فرنسا.

بلغ التوتر ذروته بصدور إنذار المفوض السامي الفرنسي هنري غورو، الذي طالب بتفكيك الجيش السوري وتسليم السيطرة على السكك الحديدية والقبول بالعملة الفرنسية. كانت هذه المطالب تمثل تجريداً كاملاً للمملكة من سيادتها، وهو ما دفع العظمة لرفض الإنذار جملة وتفصيلاً، معتبراً إياه إعلاناً لإنهاء الدولة.

رغم موافقة الملك فيصل وغالبية الحكومة على شروط الإنذار لتجنب تدمير دمشق، إلا أن القوات الفرنسية لم تتوقف عن الزحف العسكري. وبدأت أوامر حل الجيش السوري تنفذ فعلياً، مما أدى إلى سحب القوات من مواقعها الدفاعية الحيوية، وترك العاصمة مكشوفة أمام التقدم الفرنسي المستمر.

عندما أدرك الملك فيصل أن التنازلات لم توقف غورو، منح العظمة الإذن بتعبئة ما تبقى من جنود ومتطوعين لخوض المواجهة الأخيرة. لم تكن القوة التي قادها العظمة هي الجيش النظامي الذي بناه، بل كانت خليطاً من العسكريين السابقين والمدنيين الذين استجابوا لنداء الدفاع عن الكرامة الوطنية.

اختار العظمة ممر ميسلون ليكون ساحة للمعركة نظراً لطبيعته الجغرافية التي تسمح بإبطاء حركة القوات الغازية داخل مساحات ضيقة. ومع ذلك، لم يكن الوقت كافياً لإعداد تحصينات دفاعية متكاملة، خاصة وأن المعركة بدأت بينما كانت عمليات إعادة تجميع القوات لا تزال في بداياتها المتعثرة.

يمكن تحليل قرار العظمة بالخروج للمواجهة من خلال دوافع وطنية ومهنية، حيث رأى أن بقاءه في دمشق دون قتال يعد تخلياً عن مسؤوليته العسكرية. كما كان يدرك أن غياب المقاومة سيسمح لفرنسا بتصوير دخولها لدمشق كإجراء إداري متفق عليه، وليس كاحتلال عسكري فرضته القوة الغاشمة.

كان الحفاظ على المعنى السياسي للاستقلال هو المحرك الأساسي لهذه التضحية، فالمقاومة تعني أن المملكة لم تتنازل عن سيادتها طوعاً. لقد أراد العظمة أن يسجل التاريخ أن السوريين دافعوا عن دولتهم حتى الرمق الأخير، محولاً الهزيمة العسكرية الوشيكة إلى انتصار معنوي ورمز وطني خالد.

بدأ الهجوم الفرنسي فجر الرابع والعشرين من يوليو بتمهيد مدفعي كثيف، وسرعان ما ظهر الفارق النوعي في التسليح والاتصالات بين الجانبين. صمد العظمة في موقع القيادة رافضاً الانسحاب، حتى سقط شهيداً في الميدان، لتنتهي المعركة سريعاً وتبدأ مرحلة الانتداب الفرنسي التي استمرت عقوداً.

لم تمنع ميسلون سقوط دمشق، لكنها غيرت الرواية التاريخية لهذا السقوط، حيث دخلت القوات الفرنسية المدينة كقوة احتلال واجهت مقاومة مسلحة. وبسبب هذا الموقف، تحول يوسف العظمة إلى أيقونة للحركة الوطنية السورية، وأصبحت ذكراه تلهم الأجيال المتعاقبة في نضالها من أجل الحرية.

في الختام، تظل ميسلون درساً في المسؤولية السياسية والعسكرية، حيث كشفت عن مخاطر الرهان على التسويات غير المضمونة مع القوى الاستعمارية. لقد خرج العظمة إلى ميسلون لأنه أدرك أن إنقاذ المملكة عسكرياً بات مستحيلاً، لكنه رفض أن تُسلم مفاتيح دمشق دون ثمن يليق بتاريخها.

תגים

שתף את דעתך

لماذا اختار يوسف العظمة المواجهة في ميسلون رغم حتمية الهزيمة العسكرية؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.