ה 16 יול 2026 8:55 am - שעון ירושלים

مَدخل إلى التخطيط الاستراتيجي: منهج دراسي أم فن الخبرة والممارسة

في صبيحةٍ عاديّةٍ من صباحات إحدى مؤسّسات الدولة، اجتمع مجلسٌ رفيعٌ ليقرّر مصير مشروعٍ وطنيٍّ كبير. كانت الأرقام على الطاولة لامعة، والعروض مُتقَنة، والحماسة في أوجّها. أُقرَّ المشروع، وصُرِفت له الأموال، وقُطعت الأشرطة أمام الكاميرات. وبعد عامين، وقف الجميع أمام هيكلٍ مُعطَّلٍ لم يُنجز غايتَه: لقد امتلكوا الوسيلة، وامتلكوا الهدف، لكنهم لم يمتلكوا الحلقة التي تربط بينهما. لم يسأل أحدٌ سؤالاً واحداً بسيطاً: ما هي خُطّتنا؟ لقد نُفِّذ الفعل، ثم اكتُشف أنّ الفعل بلا استراتيجيةٍ ليس إلّا حركةً في الفراغ. هذه الحكاية، بصيَغها المتكرّرة، تتردّد في دهاليز كثيرٍ من مؤسّساتنا، وهي المدخل الأصدق لفهم كلمةٍ صارت على كلّ لسان، ونادراً ما فُهم مقصودها: «الاستراتيجية».
تُستخدم كلمة «استراتيجيّة» اليوم في مختلف ميادين الحياة حتى أصبح من الصعوبة بمكانٍ تحديدُ المقصود بها على وجه الخصوص. وهذه السيولة في الاستخدام، وإن دلّت على شيء، فإنما تدلّ على أهمّية المفهوم لا على وضوحه. فما الذي تعنيه هذه الكلمة في أصلها؟ ولماذا انتقلت من ساحة الحرب إلى إدارة شؤون الدولة كلّها؟
تعبير «الاستراتيجية» (Strategy) مشتقٌّ في أصله من الكلمة اليونانية (Strato) بمعنى الجيش أو الحَشْد، ومن مشتقّاتها (Stratego) التي تعني فنّ القيادة، و(Stratagem) التي تعني الخُدعة الحربية في مواجهة العدوّ. وقد ألّف القائد الروماني «سكستوس يوليوس فرونتينوس» كتاباً جمع فيه عمليات الخداع العسكري الناجح للقادة السابقين. غير أنّ اللافت أنّ الكلمة لم تُستخدم بصيغتها الحديثة حتى أواخر القرن الثامن عشر تقريباً، وكان الكاتب الفرنسي «جولي دي ميزروا» من أوائل من استعملها قُبيل الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩. وهكذا وُلدت الكلمة في رحم الميدان العسكري، ثم لم تلبث أن غادرته.
لقد اتّسع مدلول اللفظ اتّساعاً بعيداً عن أصله الحربيّ. فصار يُقال «الموقع الاستراتيجي» لقناة السويس أو للخليج العربي، ويُوصف قرارٌ سياسيٌّ أو اقتصاديٌّ بأنه استراتيجيّ، وتُنعت بعض السلع بأنها استراتيجية كالنفط، وتُسمّى معاهدات الحدّ من الأسلحة معاهداتٍ استراتيجية. والحقيقة التي أدركها منظّرو الفكر المعاصر أنّ حصر الاستراتيجية في التدريب العسكري وحده هو تضييقٌ لمفهومٍ أوسع من ذلك بكثير؛ إذ إنّ التطوّرات التي مرّت بها المجتمعات منذ منتصف القرن الثامن عشر جعلت الدولة مؤسّسةً ذات مضمونٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ  و أكاديمي لا مؤسّسةً عسكرية فحسب.
لم تعُد مسؤولية الدولة مقتصرةً على تأمين الكفاية الدفاعية لضمان وجودها، بل أصبح عليها أن تؤمّن متطلّبات المجموعة الاجتماعية المتواجدة ضمن إقليمها. فبناء الدولة لا يقوم على متانة قاعدتها العسكرية فقط، وإنما على قوّة بنيانها الاقتصادي والاجتماعي، وقدرتها على إقامة علاقاتٍ دوليةٍ متوازنة. ومن هنا تفرّعت الاستراتيجية إلى ميادين متعدّدة، لكلٍّ منها تجربتُه:
في البُعد الاجتماعي والديموغرافي، أدرك المفكّرون منذ القِدم أثر البيئة والسكان في قوّة الدولة؛ فقد كتب المؤرّخ اليوناني «هيرودوت» عن أثر المناخ في الروح القتالية، وكتب «أرسطو» عن تأثّر سياسة الدول بالعوامل الجغرافية، وجاء العلّامة «ابن خلدون» ليضع قوانين نشوء الدول ونموّها وسقوطها على أساس رابطة العصبية بين أفراد القبيلة وما يترتّب على ضعفها. فالاستراتيجية السكّانية ليست ترفاً؛ إنها تخطيطٌ لتوزيع الناس ومهاراتهم وأقسامهم في ضوء الظروف الطبيعية.
وفي البُعد المتعلّق بالبنية التحتية والموارد، تحوّلت مواقعُ بعينها إلى محاور استراتيجية لأنها تتحكّم بشرايين الطاقة والتجارة؛ ولذلك وُصفت قناة السويس بالموقع الاستراتيجي، ووُصف النفط بالسلعة الاستراتيجية. أمّا في البُعد الغذائي، فإنّ قدرة الدولة على تأمين قوت شعبها صارت ركناً من أركان أمنها القوميّ، لا يقلّ خطورةً عن أيّ سلاح؛ إذ إنّ الأمن يبدأ من الرغيف قبل أن يبدأ من البندقية. وهذه الأبعاد جميعُها — الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية — تلتقي عند مفهومٍ واحدٍ هو «الاستراتيجية الوطنية العليا» التي تتفرّع عنها استراتيجياتٌ مكمِّلة، سياسيةٌ وعسكريةٌ واقتصادية، تؤلِّف في مجموعها كلّاً لا يتجزّأ.
والتجارب خيرُ شاهد. فحين حقّق الاحتلال في حزيران عام ١٩٦٧ نصراً عسكرياً على ثلاث جبهات، لم يُفضِ ذلك النصرُ الميداني إلى تحقيق هدفه الاستراتيجي، وهو ثنيُ إرادة العرب عن مواصلة الكفاح؛ فالانتصار في المعركة شيء، وبلوغ الغاية السياسية شيءٌ آخر. وحين خاضت مصر حرب تشرين عام ١٩٧٣، لم يكن الميزان يُقاس بالأرض المُستردّة وحدها، بل بما حرّكته الحرب من معادلاتٍ استراتيجيةٍ أوسع. الدرس واحد: النصر العسكري ليس بالضرورة نصراً استراتيجياً، لأنّ الاستراتيجية أوسع من الميدان.
وهنا نبلغ جوهر المسألة. الاستراتيجية ليست تدريباً عسكرياً، ولا يمكن حصرها في منهاجٍ دراسيٍّ يُدرَّس ويُمتحَن فيه كسائر التخصّصات؛ فالمؤلَّفات المنهجية في هذا العلم قليلةٌ بالقياس إلى اتّساع موضوعه، لأنّ الاستراتيجية في حقيقتها فنٌّ قبل أن تكون علماً، وحكمةٌ في الربط قبل أن تكون معادلةً تُحفظ. لقد عرّفها الجنرال «أندريه بوفر» بأنها «فنّ استخدام القوّة للوصول إلى هدف السياسة»؛ والقوّة هنا ليست الجيش وحده، بل تظافُر كلّ العوامل— المادية والمعنوية— التي تُسهم في بناء الدولة على إنجاز فعلٍ مؤثّر.
إنّ التخطيط الاستراتيجي، في أبسط تعريفٍ له، هو تلك الحلقةُ التي تربط بين الهدف والوسيلة عبر خطّةٍ محكمة، مشروطةً بعنصرٍ ثالثٍ لا يُغفَل هو «القدرة»، أي المقدرة على استخدام الوسائل لإنجاز أهدافٍ معلومة. فالأهداف بلا خطّةٍ تبقى مُعطَّلة، والوسائل بلا هدفٍ تبقى مُبدَّدة، والخطّة بلا قدرةٍ تبقى حبراً على ورق. ومن هنا كانت مؤسّساتُنا مدعوّةً — قبل أن تُطلق مشاريعها وتصرف أموالها — إلى أن تسأل سؤال المجلس الذي أخفق في حكايتنا الأولى: ما الهدف؟ وما الوسيلة؟ وهل نملك القدرة؟ ومن يربط بين هذه الثلاثة بخطّةٍ رشيدة؟
فالاستراتيجية، في المُحصّلة، صفةٌ ملازمةٌ لوجود الدولة في السلم والحرب على حدٍّ سواء؛ إنها ليست ترفاً فكرياً ولا شعاراً يُرفع في الخطب، بل أفقٌ رحبٌ للتأمّل، وطريقةٌ في التفكير قبل أن تكون خطّةً في الأدراج. وحين نُدرك أنّ الاستراتيجية أوسعُ من الثكنة، وأعمقُ من المنهاج، وأصدقُ من الشعار، نكون قد وضعنا أوّل حجرٍ في مدخل التخطيط الاستراتيجي السليم.

תגים

שתף את דעתך

مَدخل إلى التخطيط الاستراتيجي: منهج دراسي أم فن الخبرة والممارسة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.