أخيرا أعلن عن موعد إجراء الانتخابات التشريعية، ما يعيد فتح النقاش القديم الذي صاحب كل إعلان سابق، ليس بسبب اهمية الانتخابات كأداة ديمقراطية، بل بسبب الفجوة بين فكرة الانتخابات وشروطها، فالمشهد اليوم لا يختلف كثيرا عن المشهد الذي سبق إعلانات انتهت بالإلغاء، فما زالت القدس محتلة والاحتلال يفرض سيطرته على أجزاء واسعة من الضفة، ويضاف لها غزة هذه المرة، بل قد تكون الوقائع الميدانية أكثر تعقيدا مما كانت عليه من قبل، مع اتساع عمليات جيش الاحتلال وتراجع قدرة السلطة على بسط نفوذها حتى داخل المناطق المصنفة "أ".
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس متى ستجري الانتخابات، بل متى ستؤجل؟ وما الذي تغير حتى بات إجراؤها ممكنا؟ والإجابة ودون كثير تفكير، هي ان شيئا لم يتغير، بل ان البيئة السياسية والأمنية اصبحت أكثر تعقيدا، وذات الذرائع سيقت لتبرير الغاء سالفاتها ما زالت قائمة، بل قد يمنع الاحتلال إجراءها في بعض مناطق غزة والضفة هذه المرة، وخاصة بعض مناطق "ج" او الخط الاصفر.
فلسطين ربما الحالة الوحيدة عالميا التي تطالب بإجراء انتخابات تحت الاحتلال، او على مقاسات معينة، ويتعامل الاحتلال معها باعتبارها امتيازا يمنحه او يمنعه وفق حساباته، الا انها تكشف خللا في بنية النظام السياسي الفلسطيني منذ أوسلو، حيث اصبحت الممارسة الديمقراطية رهينة لإرادة القوة القائمة بالاحتلال او الممولين، لا الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات، وهنا تتحول الانتخابات من حق الى ملف تفاوضي يخضع لموازين القوة والمال، لا القانون او القيم الديمقراطية.
الاشهر الماضية شهدت سلسلة من التعديلات طالت قوانين الانتخابات، الى جانب مسودة قانون جديد للأحزاب السياسية يفترض ان يصدر قريبا، وهي بالمجمل تعديلات لا توسع دائرة المشاركة بقدر ما تعيد تنظيمها داخل حدود وتحت سقوف محددة مسبقا، تجعل المنافسة محكومة بشروط النظام القائم وبعيدة عن التعددية الحقيقية، ما يجعلها مساحة لإعادة انتاج التوازنات نفسها مع بعض التغييرات الشكلية، لا مساحة مفتوحة للتغيير.
السلطة ما زالت تدور داخل حلقة اوسلو الذي تجاوزته الوقائع السياسية، حتى ان الاحتلال يعمل على التخلص من بقاياه يوميا، وذلك بصورة منهجية عبر الاستيطان والضم ودفن حل الدولتين، ورغم ذلك تعلن السلطة تمسكها بالبنية القانونية والمؤسسية التي انتجها باعتبارها المرجعية الوحيدة لتنظيم الحياة السياسية، وهو الامر الذي يصعب تبريره.
الانتخابات في ظل الانقسام وتراجع الحريات وتغييب الحياة الحزبية وغياب التوافق الوطني يجعل نتائجها موضع جدل، لأنها ليست مجرد اجراء فني، بل لأنها يجب ان تكون الحلقة الاخيرة في عملية سياسية متكاملة تسبقها ضمانات للحريات واستقلال للقضاء وتكافؤ في الفرص والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، وبدون ذلك تصبح رقما جديدا يضاف الى سجل الازمات، لا مدخلا للخروج منها.
هذا لا يعني ان تأجيل الانتخابات هو الحل، او انتظار زوال الاحتلال، لكنها يجب ان تكون رافدا لمشروع التحرر الوطني عبر تجديد قيادته وتعزيز وحدته وتماسكه، وبالتالي فان المدخل الحقيقي يبدأ بحوار وطني يعيد بناء المرجعية السياسية، يحدد وظيفة السلطة وحدودها في ظل التحولات الكبرى، وإعادة النظر في القوانين الناظمة للحياة السياسية بما يضمن توسيع المشاركة، لا تقييدها، وتوفير ضمانات حقيقية للحريات العامة، لا كبتها، وصياغة خطة وطنية لمواجهة محاولات الاحتلال لتعطيلها، لا ترك القرار الحاسم بيده.





שתף את דעתך
حين تصبح الانتخابات غاية لا وسيلة!