ד 08 יול 2026 6:41 am - שעון ירושלים

راهم إيمانويل يرسم ملامح سياسة ديمقراطية جديدة تجاه إسرائيل… ورسائل مبكرة من سباق البيت الأبيض

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 8/7/2026

تحليل إخباري

لم يعد السؤال داخل الحزب الديمقراطي الأميركي هو ما إذا كان ينبغي دعم إسرائيل، بل كيف يمكن إنقاذ العلاقة الأميركية-الإسرائيلية من سياسات حكومة بنيامين نتنياهو. ومن هذا المنطلق، يحاول راهم إيمانويل، كبير موظفي البيت الأبيض في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون،  أن يقدم نفسه بوصفه رجل الدولة القادر على حماية هذا التحالف التاريخي، حتى لو تطلب ذلك توجيه انتقادات غير مسبوقة للحكومة الإسرائيلية.

ولا تبدو تصريحات إيمانويل القادمة من إسرائيل حيث يقوم بزيارة خاصة مجرد رد فعل على تطورات الحرب في غزة أو على أداء حكومة نتنياهو، بقدر ما تعكس تحولات عميقة داخل الحزب الديمقراطي، كما تكشف عن بداية مبكرة لتموضع سياسي قد يخدم طموحاته في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.

ويبدو أن خطاب إيمانويل يقوم على ثلاثة أهداف رئيسية.

أولاً، إعادة تموضعه داخل الحزب الديمقراطي. فقد ارتبط اسمه لعقود بالجناح التقليدي المؤيد لإسرائيل، وعمل مستشاراً للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ثم رئيساً لموظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، وكان دائماً من أكثر السياسيين قرباً من المؤسسة الإسرائيلية. إلا أن المزاج داخل الحزب الديمقراطي تغير بصورة جذرية منذ حرب غزة، وأصبحت القاعدة الانتخابية، ولا سيما الشباب والأقليات، أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين وأكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. لذلك يبدو أن إيمانويل يحاول الحفاظ على هويته كداعم لإسرائيل، ولكن بشروط جديدة تتلاءم مع التحولات داخل الحزب.

ثانياً، الفصل بين إسرائيل ونتنياهو، وهي ربما الرسالة الأهم في خطابه. فهو لا يقول إن التحالف الأميركي-الإسرائيلي أصبح عبئاً على واشنطن، بل يرى أن حكومة نتنياهو هي التي تحولت إلى عبء على هذا التحالف. وبهذا يسعى إلى إقناع الناخب الأميركي بأن دعم إسرائيل لا يعني بالضرورة دعم الحكومة الحالية، وأن الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية يتطلب تغييراً في القيادة والسياسات داخل إسرائيل.

ثالثاً، تقديم نفسه مرشحاً رئاسياً واقعياً. فالسياسة الخارجية غالباً ما كانت نقطة ضعف لدى كثير من المرشحين الديمقراطيين، بينما يمتلك إيمانويل خبرة طويلة في ملفات الشرق الأوسط. ومن خلال هذا الخطاب، يحاول إظهار نفسه باعتباره قادراً على انتقاد الحليف عندما يخطئ، دون التخلي عن الالتزام بأمنه، وهو موقف قد يجذب الناخبين الوسطيين الذين يشعرون بالقلق من تصاعد الاستقطاب داخل الحزب.

لكن اللافت أيضاً أن إيمانويل لا يتبنى خطاب اليسار الديمقراطي الذي يطالب بفرض عزلة على إسرائيل أو وقف العلاقات معها، بل يطرح رؤية مختلفة تقوم على استخدام أدوات الضغط الأميركية لإجبار إسرائيل على تغيير سلوكها، وليس معاقبتها أو التخلي عنها. ولذلك يدعو إلى إنهاء المساعدات العسكرية التقليدية، وفرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال العنف، والحد من التوسع الاستيطاني، مع الحفاظ على التحالف الأمني والسياسي بين البلدين.

تحول يتجاوز الخلاف مع نتنياهو

تكمن أهمية خطاب راهم إيمانويل في أنه يعكس تحولاً داخل التيار التقليدي المؤيد لإسرائيل في الحزب الديمقراطي، أكثر مما يعكس خلافاً شخصياً مع بنيامين نتنياهو. فطوال عقود، كان هذا التيار يعتبر دعم إسرائيل مسألة تتجاوز الاعتبارات الحزبية، أما اليوم فقد أصبح يرى أن استمرار سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية يهدد هذا الإجماع التاريخي. ومن ثم، فإن الانتقاد لم يعد موجهاً إلى إسرائيل كدولة، بل إلى النهج السياسي الذي بات، في نظر كثيرين، يضعف مكانتها داخل المجتمع السياسي الأميركي ويستنزف رصيدها الاستراتيجي.

ومن الزاوية الإسرائيلية، يمثل هذا الخطاب مؤشراً بالغ الأهمية، لأنه يصدر عن شخصية يصعب اتهامها بالعداء لإسرائيل. فإيمانويل ينتمي إلى أكثر الأوساط الأميركية ارتباطاً بالدولة العبرية، كما أن تاريخه السياسي يؤكد دعمه المستمر لها. وعندما يصدر هذا النوع من الانتقادات عن شخصية بهذه الخلفية، فإنه يعكس حجم القلق داخل المؤسسة الديمقراطية من أن سياسات حكومة نتنياهو باتت تهدد مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة نفسها.

رهانات انتخابات 2028

كما تكشف مواقف إيمانويل عن إدراك متزايد بأن الانتخابات الرئاسية المقبلة لن تُحسم فقط بالملفات الاقتصادية، بل أيضاً بقدرة المرشحين على تقديم رؤية متماسكة للسياسة الخارجية. ومن هذا المنطلق، يحاول توظيف خبرته الطويلة في إدارة ملفات الشرق الأوسط لإظهار نفسه قائداً براغماتياً يجمع بين دعم الحلفاء والدفاع عن المصالح الأميركية. غير أن هذا التموضع يظل محفوفاً بالمخاطر، إذ يتعين عليه تحقيق توازن دقيق بين مطالب القاعدة الديمقراطية المتغيرة ومواقف الداعمين التقليديين لإسرائيل، دون خسارة أي من الطرفين.

أما فيما يتعلق بطموحاته الرئاسية، فمن الواضح أن إيمانويل يسعى إلى احتلال المساحة الوسطية التي أصبحت شبه خالية داخل الحزب الديمقراطي. فهو يرفض شعارات اليسار الراديكالي، كما يرفض سياسات اليمين الإسرائيلي، ويقدم نفسه ممثلاً لتيار “البراغماتية السياسية”. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على قدرته في إقناع القاعدة الديمقراطية بأنه لا يدافع عن إسرائيل على حساب الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه إقناع الناخبين المؤيدين لإسرائيل بأنه قادر على حماية التحالف التاريخي معها.

مستقبل العلاقة الأميركية-الإسرائيلية

إذا استمرت شخصيات بارزة من المؤسسة الديمقراطية في تبني هذا الخطاب، فقد يشهد المشهد السياسي الأميركي بداية مرحلة جديدة في إدارة العلاقة مع إسرائيل، تقوم على ربط الدعم السياسي والعسكري بدرجة أكبر بسلوك الحكومات الإسرائيلية وسياساتها. ولن يعني ذلك بالضرورة تراجعاً في التحالف الاستراتيجي، وإنما انتقاله إلى صيغة أكثر مشروطية ومساءلة. وفي حال ترسخ هذا الاتجاه، فقد تجد الحكومات الإسرائيلية المقبلة نفسها أمام واقع أميركي مختلف، تقل فيه الضمانات السياسية غير المشروطة التي اعتادت الاعتماد عليها لعقود.

وفي المحصلة، لا ينبغي النظر إلى خطاب راهم إيمانويل باعتباره مجرد انتقاد لحكومة نتنياهو، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف أسس العلاقة الأميركية-الإسرائيلية في مرحلة تشهد تغيراً عميقاً في الرأي العام الأميركي. كما يعكس استعداد شخصيات من قلب المؤسسة الديمقراطية للقول إن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى تآكل الدعم الأميركي لإسرائيل، وهو تطور كانت المؤسسة السياسية في واشنطن تتجنب الحديث عنه علناً لسنوات طويلة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة مواقف إيمانويل ليس فقط كرسالة إلى الإسرائيليين، بل أيضاً كجزء من حملة سياسية مبكرة لتقديم نفسه رئيساً محتملاً قادراً على إعادة صياغة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وإيجاد توازن جديد بين الالتزام بأمن إسرائيل والدفع نحو تسوية سياسية عادلة تضمن الحقوق الفلسطينية وتحافظ في الوقت ذاته على المصالح الأميركية في المنطقة.

תגים

שתף את דעתך

راهم إيمانويل يرسم ملامح سياسة ديمقراطية جديدة تجاه إسرائيل… ورسائل مبكرة من سباق البيت الأبيض

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.