سجلت حركة شحنات الأسمدة عبر مضيق هرمز ارتفاعاً ملحوظاً وتدريجياً في أعقاب التوصل إلى اتفاق مؤقت بين واشنطن وطهران لإنهاء العمليات القتالية. وأفادت مصادر متخصصة في تحليل الأسواق بأن هذا التحسن يأتي بعد فترة من الإغلاق شبه الكامل للممر المائي الحيوي الذي أثر بشدة على سلاسل الإمداد العالمية.
ويرى محللون اقتصاديون أن العودة الكاملة لمستويات ما قبل الحرب ستستغرق وقتاً طويلاً، نظراً لاستمرار المخاطر الأمنية وتكدس السفن في الموانئ. وأكدت التقارير أن استقرار السوق يحتاج إلى ضمانات أمنية دائمة تتجاوز مجرد التهدئة المؤقتة المعلنة مؤخراً بين الأطراف المتصارعة.
وقبل اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير الماضي، كان المضيق شرياناً رئيسياً لنحو ثلث تجارة اليوريا العالمية. كما كان يمر عبره ما يقارب نصف كميات الكبريت المنقول بحراً، وهو ما يبرز الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر في صناعة الأسمدة العالمية.
وأظهرت بيانات حديثة صادرة عن وكالة 'أرجوس' أن نحو 640 ألف طن من الكبريت غادرت المضيق منذ إعلان الاتفاق في منتصف يونيو الجاري. وتوجهت هذه الشحنات الحيوية إلى أسواق كبرى تشمل الصين وإندونيسيا والمغرب وتنزانيا، مما يعطي دفعة قوية لقطاع الزراعة في تلك الدول.
وبالمقارنة مع فترة الحرب التي استمرت ثلاثة أشهر ونصف، لم يتجاوز إجمالي الشحنات الخارجة 80 ألف طن فقط، مما يعكس حجم الشلل الذي أصاب المنطقة. وتكشف هذه الأرقام الفارق الشاسع بين حالة الحصار البحري وحالة الانفراجة النسبية التي تلت التفاهمات السياسية الأخيرة.
وفي سياق متصل، أشارت بيانات شركة 'سي آر يو' للاستشارات إلى عبور 427 ألف طن من اليوريا للمضيق بعد الاتفاق، ارتفاعاً من 275 ألف طن خلال أشهر الصراع. كما سجلت أنواع أخرى من الأسمدة مثل الفوسفات والأمونيا زيادات طفيفة في كميات الشحن، مما قلل من حدة المخاوف بشأن أزمة غذاء عالمية.
ورغم هذا التحسن، لا تزال هناك أكثر من 500 سفينة تجارية عالقة في مياه الخليج بانتظار دورها للعبور أو تفريغ الحمولات. ولا تزال حركة المرور الحالية تمثل جزءاً ضئيلاً من المتوسط اليومي المعتاد قبل الحرب، والذي كان يصل إلى 125 سفينة تعبر المضيق يومياً.
تدفق الشحنات عبر المضيق يبعث على الارتياح، لكن معظمها مرتبط بصفقات قديمة ولن توفر كميات جديدة فورية للسوق.
وأوضحت سارة مارلو، المسؤولة في شركة 'أرجوس' أن خروج الناقلات يتم ببطء شديد، مع ملاحظة عدم عودة الناقلات الفارغة لتحميل شحنات جديدة حتى الآن. وأضافت أن المتعاملين في السوق لا يزالون حذرين، حيث يبرمون عدداً محدوداً جداً من الصفقات الجديدة بانتظار اتضاح الرؤية السياسية.
ويتطلب استعادة النشاط الملاحي الطبيعي إزالة عوائق لوجستية معقدة خلفتها الحرب، وعلى رأسها تطهير الممر المائي من الألغام البحرية. كما تحتاج شركات الشحن العالمية إلى بناء ثقة كافية للعودة للعمل في المنطقة دون الخوف من تعرض سفنها لهجمات مفاجئة أو احتجاز.
وزادت المخاوف الأمنية مجدداً بعد إعلان المنظمة البحرية الدولية تعليق عمليات مرافقة السفن إثر بلاغ عن هجوم جديد استهدف إحدى الناقلات. هذا التطور يضع الاتفاق المؤقت على المحك، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة الأطراف على الالتزام بالهدنة في ظل التوترات الميدانية المستمرة.
من جانبه، توقع ويليس توماس، كبير محللي الأسمدة أن شهر أغسطس المقبل هو أقرب موعد ممكن لرؤية انتعاش حقيقي وملموس في حركة التجارة. وأشار إلى أن هناك كميات ضخمة من اليوريا والكبريت لا تزال محاصرة داخل المضيق وتنتظر الضوء الأخضر للمغادرة نحو الأسواق الدولية.
ولم تقتصر أضرار الحرب على حركة الشحن فقط، بل طالت منشآت إنتاج الأسمدة والبنية التحتية للطاقة في دول الخليج. وتعرضت مصافي غاز ومنشآت حيوية لهجمات مباشرة، مما أدى إلى تراجع القدرات الإنتاجية في دول رئيسية مصدرة للأسمدة مثل قطر والإمارات.
وأفادت رابطة الشحن 'بيمكو' بأن تعافي الإنتاج قد يستغرق وقتاً أطول من تعافي حركة الشحن بسبب الحاجة لإصلاح الأضرار الهيكلية في الحقول والمصانع. وحذرت الرابطة من أن الصادرات قد تظل دون مستويات ما قبل الأزمة على المدى المتوسط، مما قد يبقي أسعار الأسمدة مرتفعة نسبياً.
ويبقى الترقب سيد الموقف في الأسواق العالمية، حيث يراقب المزارعون والشركات الزراعية مدى صمود التهدئة بين واشنطن وطهران. فاستقرار مضيق هرمز لا يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية لضمان تدفق المدخلات الزراعية وتجنب قفزات جنونية في أسعار الغذاء حول العالم.





שתף את דעתך
انتعاش تدريجي لشحنات الأسمدة عبر مضيق هرمز عقب الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران