يواجه المصابون بمتلازمة إهمال الجانب الأيسر، أو ما يُعرف طبيًا بالإهمال النصفي المكاني، تحديات غريبة تجعلهم يعيشون في نصف عالمهم فقط. تنجم هذه الحالة عادةً عن تلف في النصف الأيمن من الدماغ، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على الانتباه للمحفزات الموجودة في الجهة اليسرى، رغم أن العينين والأذنين قد تكونان سليمتين تماماً.
تتجلى أعراض هذا الخلل في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، حيث قد يتناول المريض الطعام الموجود في الجانب الأيمن من طبقه فقط، أو يحلق الجانب الأيمن من وجهه متجاهلاً الأيسر. وفي حالات القراءة، يبدأ المريض غالباً من منتصف السطر أو الصفحة، دون أن يدرك أن هناك نصاً مفقوداً في الجهة المقابلة، مما يعكس عمق الفجوة في الإدراك المكاني.
أوضح خبراء في علم الأعصاب أن هذه المشكلة ليست بصرية في جوهرها، بل هي اضطراب حاد في الانتباه والوعي. فالدماغ في هذه الحالة يتوقف عن معالجة المعلومات القادمة من اليسار، مما يجعل المريض يصطدم بإطارات الأبواب أو يعجز عن ملاحظة الأشخاص الواقفين بجانبه، وكأن ذلك الجزء من العالم قد اختفى تماماً من خارطته الذهنية.
يشير الطبيب باريش مالهوترا، المحاضر في إمبريال كوليدج لندن، إلى أن الإهمال النصفي لا يقتصر على الرؤية، بل يمتد ليشمل حواس السمع واللمس وحتى الشعور بالذات. فبعض المرضى قد لا يتعرفون على أطرافهم اليسرى، ويصل بهم الأمر إلى التساؤل باستغراب عن هوية 'الذراع الغريبة' الموجودة معهم في السرير، في حالة ذهول تام عن ملكيتهم لها.
تعتبر هذه الحالة من أكثر أعراض إصابات الدماغ إزعاجاً وخطورة على سلامة المريض الشخصية. فقد يحاول المصاب عبور شارع مزدحم دون الالتفات للسيارات القادمة من جهة اليسار، أو قد يلمس قدراً يغلي على الموقد لأنه لم يدرك وجوده في مجاله 'المهمل'، مما يتسبب في حوادث منزلية ومرورية متكررة وكدمات لا تنتهي.
الإهمال النصفي المكاني ليس عمى في إحدى العينين، بل هو عملية تجاهل لا إرادية لجانب كامل من الفضاء المحيط.
يروي ألن بورغيس، وهو سائق سابق يبلغ من العمر 64 عاماً، تجربته مع المرض بعد إصابته بجلطة دماغية غيرت مسار حياته. ألن الذي اضطر للتقاعد المبكر، وجد في الرسم متنفساً جديداً، لكن لوحاته تعكس بوضوح حالته الصحية؛ حيث يرسم تفاصيل دقيقة للأشياء في الجانب الأيمن، بينما يترك الجانب الأيسر من الرسم ناقصاً أو فارغاً تماماً.
على مدار العقود الستة الماضية، حاول العلماء تطوير أكثر من 18 طريقة علاجية للحد من آثار هذا الخلل الدماغي. ورغم وجود بعض النتائج الإيجابية قصيرة المدى، إلا أن الفعالية السريرية للتحسن الوظيفي طويل الأمد لا تزال غير واضحة، مما يترك الكثير من المرضى في حالة من الإعاقة المستمرة التي تتطلب مراقبة دائمة.
في سياق البحث عن حلول، يبرز عمل الباحث تيموثي ريتش الذي يركز على دراسة عسر القراءة الناتج عن الإهمال النصفي. يستخدم ريتش تكنولوجيا مبتكرة تتمثل في نظارات قابلة للارتداء تتبع حركة العين والرأس معاً أثناء ممارسة الأنشطة اليومية، وهو ما يوفر بيانات أكثر واقعية ودقة مقارنة بالاختبارات التقليدية التي تتطلب تثبيت الرأس.
تهدف هذه التقنيات الحديثة إلى فهم كيفية تعويض المرضى للنقص في انتباههم من خلال حركات الرأس، مما قد يمهد الطريق لابتكار تدخلات علاجية أكثر فاعلية. إن القدرة على رصد التغيرات الطفيفة في الانتباه المكاني تمنح الأطباء أملاً في تطوير أدوات تقييم تساعد المرضى على استعادة جزء من استقلاليتهم المفقودة.
في نهاية المطاف، يضطر المصابون مثل ألن بورغيس إلى التفكير بوعي مضاعف في كل خطوة يخطونها، حيث يلتزمون الجانب الأيمن من الأرصفة ويحاذون الجدران لتجنب الأخطار. يظل العالم بالنسبة لهم لغزاً ناقصاً، يعالجه الدماغ بطريقة تجعلهم لا يدركون حتى أن هناك شيئاً مفقوداً، مما يجعل الدعم الأسري والتكنولوجي ضرورة لا غنى عنها.





שתף את דעתך
إهمال الجانب الأيسر: عندما يسقط نصف العالم من ذاكرة الدماغ