تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صفعة قانونية قوية بعد صدور حكم من المحكمة العليا الأمريكية يؤكد دستورية حق المواطنة بالميلاد. وجاء الحكم بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، ليجهض أمراً تنفيذياً كان يهدف لمنع منح الجنسية تلقائياً لأطفال المهاجرين غير النظاميين أو الزائرين المؤقتين. وشددت المحكمة في حيثياتها على أن هذا الحق مكفول تماماً بموجب التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي.
وعلى الرغم من أن ترمب كان يتوقع صدور حكم مخالف لتوجهاته، إلا أنه أعرب عن أسفه الشديد عبر منصته 'تروث سوشيال'. وكان الرئيس قد بذل جهوداً استثنائية في هذه القضية، شملت حضوره الشخصي لجلسات المرافعة في سابقة تاريخية لرئيس في منصبه. وأكد ترمب أنه لن يستسلم، داعياً الكونغرس للتدخل التشريعي الفوري لإنهاء ما وصفه بالحق 'المكلف وغير العادل'.
في المعسكر الجمهوري، سادت حالة من الغضب العارم، حيث وصف قادة محافظون القرار بأنه 'خيانة عظمى'. واعتبر حاكم ولاية تكساس، غريغ أبوت أن الحكم سيمثل عامل جذب إضافي للهجرة غير الشرعية التي قد تغير وجه الأمة للأبد. كما حذر رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، من تحديات مستقبلية خطيرة ستواجه الولايات المتحدة نتيجة هذا التفسير الدستوري.
تستند الحجج الجمهورية ضد حق الجنسية بالميلاد إلى أعباء مالية وضغوط على موارد الولايات في قطاعات الصحة والتعليم. ويرى المحافظون أن منح الجنسية لأطفال المهاجرين غير النظاميين يكافئ خرق القانون ويستنزف أموال دافعي الضرائب. كما يجادلون بأن مفهوم 'الولاية القضائية' في الدستور كان يقصد به الولاء السياسي الكامل، وهو ما لا ينطبق على الرعايا الأجانب.
من جانب آخر، استهدفت إدارة ترمب ما يعرف بـ 'سياحة الولادة' التي يقوم بها أجانب أثرياء للحصول على جوازات سفر أمريكية لأطفالهم. ومع ذلك، تشير دراسات حديثة من جامعة ولاية بنسلفانيا إلى أن هذه الظاهرة محدودة للغاية ولا تتجاوز 0.3% من إجمالي الولادات السنوية. وتؤكد البيانات أن عدد هذه الحالات لا يتخطى 9600 ولادة سنوياً، مما يضعف حجة استنزاف الموارد.
أما الديمقراطيون ومنظمات حقوق الإنسان، فقد احتفلوا بالقرار واعتبروه انتصاراً لقيم المساواة والانتماء الوطني. وجاء توقيت الحكم رمزياً للغاية، حيث تزامن مع اقتراب الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال الأمريكي. ويرى المدافعون عن المهاجرين أن الحكم منع نشوء نظام طبقي يضم ملايين الأطفال عديمي الجنسية والمحرومين من حقوقهم الأساسية على أرض ولدوا فيها.
وعلى الصعيد التشريعي، يبدو طريق ترمب لإلغاء هذا الحق عبر الكونغرس محفوفاً بالمخاطر السياسية والقانونية. فإقرار قانون جديد يتطلب أغلبية خاصة في مجلس الشيوخ لتجاوز عقبة 'التعطيل'، وهو أمر مستبعد في ظل الانقسام الحالي. كما أن استطلاعات الرأي تظهر أن نحو 40% من الجمهوريين أنفسهم يؤيدون بقاء حق المواطنة بالميلاد، مما يهدد شعبية الحزب في الانتخابات القادمة.
قرار المحكمة العليا خيانة عظمى للجمهورية الأمريكية ويقلل من قيمة المواطنة.
أما خيار التعديل الدستوري، فيكاد يكون مستحيلاً من الناحية العملية نظراً لتعقيد الإجراءات التي وضعها الآباء المؤسسون. يتطلب التعديل موافقة ثلثي أعضاء غرفتي الكونغرس، ثم مصادقة ثلاثة أرباع الولايات الأمريكية البالغ عددها 50 ولاية. وتاريخياً، لم تنجح سوى محاولات قليلة جداً في تغيير الدستور، مما يجعل مسعى ترمب في هذا المسار معطلاً تماماً.
ورغم هذه الانتكاسة القضائية، يرى مراقبون أن إدارة ترمب تحقق نجاحات في جوانب أخرى من حربها على الهجرة. فقد فرضت الإدارة أكثر من 700 قيد جديد أدت إلى تسجيل عجز صافٍ في الهجرة لأول مرة منذ نصف قرن. وتشير البيانات إلى أن عدد المغادرين للولايات المتحدة تجاوز عدد الوافدين إليها، نتيجة السياسات المتشددة وتجميد التأشيرات.
لقد أدت هذه السياسات إلى ترحيل ذاتي لنحو 2.2 مليون شخص اختاروا العودة لبلدانهم بسبب البيئة التشريعية المقيدة. وتزامن ذلك مع ارتفاع في عمليات الترحيل الحكومية الرسمية التي طالت مئات الآلاف. كما رصد مكتب الإحصاء الأمريكي هجرة عكسية لمواطنين أمريكيين من أصول مكسيكية فضلوا الانتقال للعيش خارج الولايات المتحدة.
اقتصادياً، تثير هذه التحولات ديموغرافية قلقاً لدى محللي الاقتصاد الكلي الذين يحذرون من نقص حاد في العمالة. ويؤكد خبراء أن فقدان مئات الآلاف من العمال الأجانب يحد من قدرة البلاد على تحقيق نمو متوازن في الوظائف. وتتضرر قطاعات حيوية مثل الزراعة والبناء والضيافة بشكل مباشر من غياب العمالة المهاجرة التي كانت تسد فجوات كبيرة.
وحذرت مذكرات قانونية قدمت للمحكمة العليا من أن حرمان أبناء المهاجرين من الجنسية سيؤدي إلى تداعيات تضخمية واسعة. فالمهاجرون وأبناؤهم يسهمون بشكل فعال في موازنة القوى العاملة المسنة وزيادة الناتج المحلي الإجمالي. ويرى الاقتصاديون أن المساهمات المالية لهؤلاء المهاجرين تفوق بكثير التكاليف التي يروج لها التيار المحافظ في حملاته السياسية.
وفيما يتعلق بالجانب الاجتماعي، يعيش حالياً أكثر من 6 ملايين شخص في أمريكا مع والد واحد على الأقل من المهاجرين غير الشرعيين. ومن بين هؤلاء نحو 4.6 مليون طفل تحت سن الثامنة عشرة، يواجهون مستقبلاً غامضاً بسبب الخطاب السياسي المتشدد. ويؤكد قادة الحقوق المدنية أن الخوف الذي زرعته استراتيجية الإدارة الحالية سيترك أثراً عميقاً في هذه المجتمعات لسنوات طويلة.
ختاماً، يظل ملف الجنسية بالميلاد أداة فعالة لترمب لتعبئة قواعده الشعبية تحت شعار 'أمريكا أولاً'. ورغم أن القضاء قال كلمته الفصل، إلا أن الضغط السياسي نجح في تحويل نظريات قانونية كانت هامشية إلى صلب النقاش العام. ويبقى الصراع بين الرؤية الدستورية الشاملة للمواطنة والتوجهات القومية المتشددة قائماً بانتظار جولات سياسية وقانونية قادمة.





שתף את דעתך
المحكمة العليا الأمريكية توجه ضربة لترمب وتثبت حق الجنسية بالميلاد