تصاعدت المخاوف الشعبية والرسمية في ليبيا عقب الكشف عن ضبطيات أمنية واسعة النطاق في مدينة بنغازي، شملت آلاف العبوات من المبيدات الزراعية المحظورة والأدوية المخالفة. هذا الملف تجاوز حدود الغش التجاري التقليدي ليصبح قضية أمن قومي تمس الصحة العامة لملايين المواطنين الذين يستهلكون هذه المنتجات بشكل يومي.
وأفادت مصادر رقابية بأن الحملات التفتيشية الأخيرة لم تعد مجرد إجراءات موسمية، بل تحولت إلى ضرورة ملحة لمواجهة شبكات تداول المواد الكيماوية عالية الخطورة. وتجد هذه السموم طريقها إلى الأسواق الليبية رغم القيود القانونية الصارمة، مما يضع منظومة الرقابة أمام تحديات غير مسبوقة لمنع وصولها إلى مائدة المستهلك.
في مدينة بنغازي، أعلنت النيابة العامة عن نتائج صادمة لحملة استهدفت محال بيع المستلزمات الزراعية، حيث تم ضبط أكثر من 11 ألف عبوة من المبيدات المحظورة. كما شملت الضبطيات نحو 500 عبوة منتهية الصلاحية، بالإضافة إلى مصادرة 19 ألف كيلوغرام من سماد اليوريا المدعوم الذي كان يُتداول خارج الأطر القانونية.
التحقيقات الجارية شملت تفتيش 37 موقعاً تجارياً ومخزناً، وأسفرت عن صدور أوامر فورية بإغلاق المنشآت المخالفة والتحفظ على كافة المواد المضبوطة. وتعمل السلطات حالياً على تتبع سلاسل التوريد لتحديد المسؤولين عن إدخال هذه المواد المسرطنة إلى السوق المحلية ومحاسبتهم قانونياً.
ولم تقتصر هذه الأزمة على شرق البلاد، بل امتدت لتشمل مناطق واسعة في الغرب، حيث صادرت النيابة العامة كميات ضخمة من السموم الزراعية في منطقة السواني. واتخذت السلطات إجراءات رادعة شملت حبس 15 متهماً وإغلاق 60 محلاً تجارياً ثبت تورطها في تداول مواد تهدد البيئة والإنتاج الزراعي.
وفي دائرة الخمس شرق طرابلس، باشرت نيابة النظام العام التحقيق مع 12 شخصاً متورطين في الاتجار غير المشروع بالمبيدات. وأسفرت عمليات التفتيش هناك عن ضبط 950 مستوعباً من المواد المشتبه في حظرها، إلى جانب كميات كبيرة من المواد منتهية الصلاحية التي تشكل خطراً داهماً على الصحة العامة.
أما في مدينة مصراتة، فقد كشف مكتب النائب العام عن واقعة خطيرة تتعلق بحبس 20 شخصاً تم ضبطهم متلبسين برش المحاصيل بمبيدات محظورة قبل قطفها. وأثبتت المعاينة الفنية لـ 12 مزرعة وجود بقايا لهذه السموم على عينات من الثمار التي كانت معدة للبيع في الأسواق العامة.
نتائج الفحوص المخبرية أظهرت أن نحو 65 في المئة من عينات المنتجات الزراعية المحلية حوت بقايا لمبيدات محظورة أو مواد مصنفة دولياً بأنها مسرطنة.
وتشير التقارير المخبرية إلى واقع مرير، حيث أظهرت الفحوصات أن 65% من المنتجات الزراعية المحلية تحتوي على رواسب لمبيدات مصنفة دولياً كمواد مسرطنة. هذا المؤشر يمثل إنذاراً حقيقياً، إذ إن تراكم هذه السموم في جسم الإنسان يؤدي إلى أمراض مزمنة وتسمم حاد على المدى الطويل.
وتربط الأوساط الطبية في ليبيا بين هذا التلوث الغذائي والارتفاع الملحوظ في معدلات الإصابة بالسرطان، والتي باتت من بين الأعلى في المنطقة. ووفقاً لبيانات منظمة 'غلوبوكان'، تسجل البلاد سنوياً أكثر من 8 آلاف إصابة جديدة، مع معدل وفيات يتجاوز 5 آلاف حالة سنوياً.
وبالنظر إلى التعداد السكاني، فإن هذه الأرقام تعكس أزمة صحية عميقة، حيث يصل معدل الإصابة إلى نحو 132 حالة لكل 100 ألف نسمة. ويرى خبراء أن هذه الإحصائيات تستوجب تدخلاً عاجلاً لتطهير السلسلة الغذائية من الممارسات الزراعية غير القانونية التي تفتك بأرواح المواطنين.
ويعزو مراقبون وصول هذه الكميات الضخمة من السموم إلى الأسواق لعدة عوامل، أبرزها اتساع الحدود البرية وصعوبة السيطرة على مسارات التهريب. كما أدى الانقسام المؤسسي الذي شهدته البلاد في السنوات الماضية إلى إضعاف سياسات الرقابة الموحدة على المنافذ البرية والبحرية.
من جهة أخرى، يشير مهندسون زراعيون إلى أن انخفاض أسعار المبيدات المهربة وفاعليتها السريعة يدفع بعض المزارعين لاستخدامها دون إدراك لمخاطرها. كما أن غياب الوعي بفترات الأمان اللازمة بين الرش والحصاد يساهم في وصول المحاصيل الملوثة إلى يد المستهلك وهي مشبعة بالكيماويات.
وتؤكد مصادر مطلعة أن المسؤولية تقع على عاتق منظومة الرقابة بأكملها، بدءاً من عمليات الاستيراد وصولاً إلى التوزيع داخل المزارع. وهناك حاجة ماسة لتحديث التشريعات القانونية وتوفير مختبرات متخصصة قادرة على إجراء تحاليل دورية دقيقة لكشف بقايا المبيدات في كافة المدن.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للمواد المسموح بها وربطها إلكترونياً بالمنافذ الجمركية. كما يجب تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والصحية لضمان إحكام الرقابة على الأسواق وحماية الأمن الغذائي الذي يعد ركيزة أساسية للأمن القومي الليبي.





שתף את דעתך
المبيدات المسرطنة تهدد الأمن الغذائي في ليبيا: ضبطيات واسعة وتحذيرات صحية