تبدو خرائط الشرق الأوسط اليوم وكأنها وضعت مجدداً على مشرحة التغيير، حيث تزدهر في أوقات الأزمات العميقة سيناريوهات ما يعرف بـ 'الفرز والضم'. هذه الطروحات لا تقتصر على غرف التخطيط النظري، بل تظهر لها مقدمات عسكرية على الأرض تحاول فرض واقع جديد يتجاوز الحدود المعترف بها دولياً منذ عقود.
تتعدد هذه السيناريوهات لتشمل مقترحات مثيرة للجدل، منها ما يطرحه السفير الأمريكي توم براك حول إلحاق لبنان بسوريا أو ما يسميه 'بلاد الشام'. ورغم هذه الطروحات، يبقى الواقع التاريخي والسياسي يؤكد رفض اللبنانيين القاطع لأي محاولة لضم بلادهم، خاصة بعد تجربة الوجود العسكري السوري التي انتهت بضغوط دولية قادتها واشنطن وباريس.
في المشهد السوري، وبعد أربعة عشر عاماً من الصراع الدامي، تبدو البلاد في حالة تقسيم واقعي تتطلب جهوداً جبارة لإعادة توحيدها. التحدي الأبرز أمام القيادة الجديدة المتمثلة في أحمد الشرع هو القدرة على استيعاب كافة المكونات السورية من أكراد وعلويين ودروز ومسيحيين لضمان استعادة وحدة الدولة الوطنية بعيداً عن الإقصاء.
لا تتوقف المخاوف عند حدود الشام، بل تمتد لتشمل العراق الذي واجه سابقاً مشاريع تقسيمية إلى ثلاث دويلات عرقية وطائفية. كما تبرز طموحات إقليمية تسعى لاستعادة نفوذ تاريخي في مدن مثل حلب والموصل، مما يضع سيادة الدول الوطنية على المحك في ظل تداخل المصالح الدولية والإقليمية المعقدة.
من الوهم أن تستمر إسرائيل في احتلال جنوب لبنان وجنوب سوريا، والوهم الأكبر هو فك حدود الدولة الوطنية لأن ذلك يقود لتفكيك النسيج الاجتماعي.
أما في القارة الأفريقية، فإن السودان يعيش خطر التمزق نتيجة حرب الجنرالات المستعرة، وهو ما يعيد للأذهان سيناريو انفصال الجنوب. وفي ليبيا واليمن، تطل دعوات الاستقلال الجهوي والعودة إلى ما قبل عهود الوحدة، مما يهدد بتحويل المنطقة إلى شظايا سياسية لا تخدم سوى القوى الطامعة في ثرواتها.
المفارقة التاريخية تكمن في تحول الموقف العربي من رفض اتفاقية 'سايكس بيكو' طوال قرن مضى، إلى التمسك بها اليوم خوفاً من 'تقسيم المقسم'. لقد تجذرت الدولة الوطنية وصارت لكل بلد هويته الخاصة، مما جعل مشاريع الوحدة الاندماجية السابقة، مثل الوحدة المصرية السورية، مجرد تجارب قصيرة لم تصمد أمام الواقع.
إن العجز عن تغيير الحدود أو الثبات على نموذج وحدوي ناجح يعود في جوهره إلى غياب الديمقراطية وقمع التعددية داخل المجتمعات العربية. الصراعات الطائفية والإثنية التي تطفو على السطح الآن لم تكن غائبة، بل كانت مكبوتة تحت وطأة الأنظمة التي فشلت في تقديم نموذج دولة المواطنة الجاذب لمواطنيها.
في نهاية المطاف، يكتشف الجميع أن اختزال قضايا المنطقة في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وحده لم يعد كافياً لفهم التعقيدات الراهنة. التحديات اليوم تشمل صراعات المشاريع الإقليمية، وتفكك النسيج الاجتماعي، مما يجعل الحفاظ على الدولة الوطنية بحدودها الحالية ضرورة قصوى لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة لا تعرف التوقف.





שתף את דעתך
سيناريوهات الفرز والضم: هل تواجه خرائط المنطقة خطر التفكك؟