لم تكن الحروب التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية مجرد صراع على السلطة والنفوذ، بل امتدت آثارها المدمرة لتطاول الذاكرة التاريخية للبلاد. فقد تعرضت مواقع 'تادرارت أكاكوس' الصخرية في الجنوب، والتي تختزل تاريخاً يعود لآلاف السنين، لأعمال تخريب وعبث ممنهج أثرت على قيمتها التاريخية.
وفي شرق البلاد، لم يسلم موقع 'طلميثة' الأثري من التشويه، حيث طاولت النيران المسرح الأثري والفسيفساء النادرة التابعة له. كما شهدت مدن عدة مثل زليتن ودرنة وصبراتة تدمير مجموعة من الأضرحة الصوفية والمباني التاريخية، وصولاً إلى العاصمة طرابلس التي فقدت أجزاء من معالمها الفنية مثل مجسم الغزالة الشهير.
وتشير التقارير الدولية إلى أن ليبيا تمتلك رسمياً 69 موقعاً أثرياً معلناً، إلا أن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة الكاملة للثروة التاريخية للبلاد. إذ يؤكد خبراء من جامعة 'لستر' البريطانية أن نحو 70% من الكنوز الأثرية الليبية لا تزال مدفونة تحت رمال الصحراء أو غارقة في أعماق البحر المتوسط.
وتضم ليبيا حالياً خمسة مواقع مدرجة بصفة نهائية على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، وهي لبدة الكبرى وصبراتة وشحات وتادرارت أكاكوس ومدينة غدامس القديمة. ومع ذلك، فإن هذه المواقع تواجه تحديات جسيمة تتعلق بالصيانة والحماية في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني.
وفي خطوة تهدف لتعزيز الحماية الدولية، أدرجت السلطات الليبية مؤخراً موقعين جديدين على القائمة التمهيدية لليونسكو، وهما الجامع العتيق في واحة أوجلة وقصر الحاج في الجبل الغربي. وتأتي هذه الخطوة لرفع عدد المواقع المرشحة للانضمام للتراث العالمي، بما يشمل السرايا الحمراء وقلعة مرزق وكهف عمر المختار.
ويرى مؤرخون أن التنوع الحضاري في ليبيا، الذي يجمع بين الآثار الإغريقية والفينيقية والقرطاجية، يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لإنقاذه. فالحضارات التي مرت على هذه الأرض تركت شواهد فريدة تستحق الرعاية، خاصة أن الإهمال الحكومي على مدار عقود ساهم في تدهور حالة المواقع الكبرى مثل لبدة وصبراتة.
70 في المئة من الآثار الليبية لا يزال مطموراً تحت مياه البحر المتوسط ورمال الصحراء وفق تقديرات فرق تنقيب دولية.
وشهدت مدينة بنغازي مؤخراً ما يشبه 'الصحوة' في الاهتمام بالمعالم التاريخية، حيث جرت عمليات ترميم لضريح عمر المختار ومنارة سيدي خربيش. كما شملت الجهود إعادة الاعتبار للمباني التي تعود لفترة الاستعمار الإيطالي، مثل قصر المنار والبرلمان البرقاوي، كجزء من محاولات الحفاظ على الهوية العمرانية للمدينة.
من جانبهم، يشدد خبراء الآثار على أن دور اليونسكو يظل استشارياً وفنياً، ولا يمكن أن يحل محل دور الدولة الليبية في فرض الأمن والقانون. فالمواقع الأثرية تحتاج إلى حماية ميدانية لمنع عمليات التهريب والسرقة التي نشطت خلال سنوات الفوضى، بالإضافة إلى الحاجة لتدريب كوادر وطنية متخصصة في الترميم.
ويمثل قرار اليونسكو بإعادة فتح مكتبها في طرابلس بعد عقد من الإغلاق بارقة أمل لاستعادة التنسيق الدولي في مجال صون التراث. وتهدف المنظمة من خلال هذه العودة إلى متابعة ملفات الصيانة وتوثيق القطع المهددة، بالإضافة إلى دعم قطاعات التعليم والبحث العلمي المرتبطة بالآثار.
وعلى الرغم من هذه الجهود، لا تزال أربعة مواقع ليبية كبرى مدرجة ضمن 'القائمة الحمراء' للمواقع المهددة بالخطر منذ أكثر من عشر سنوات. ويصف متخصصون هذا الوضع بالفشل في إدارة الأزمات، مشيرين إلى أن دولاً مجاورة نجحت في تسجيل عشرات المواقع بينما لا تزال ليبيا تراوح مكانها.
وتبرز الحاجة الملحة لتعديل التشريعات الليبية المتعلقة بالآثار، بحيث يتم تشديد العقوبات على المهربين وحماية المواقع من الزحف العمراني والاعتداءات العشوائية. فمن غير المقبول، بحسب أكاديميين أن يتم التعامل مع المعالم الرومانية العريقة بإهمال يصل إلى حد استخدامها لتثبيت مكبرات الصوت أو الإعلانات.
إن إنقاذ الذاكرة الليبية يتطلب تكاتفاً بين السلطات السياسية ومنظمات المجتمع المدني لترسيخ الوعي بأن هذه الآثار هي جزء أصيل من الهوية الوطنية. فبدون استقرار سياسي وقوانين صارمة، ستظل كنوز ليبيا عرضة للاندثار، مما يفقد الأجيال القادمة صلتها بتاريخ بلادهم العريق.





שתף את דעתך
ذاكرة ليبيا التاريخية في مهب الريح: الحرب والإهمال يهددان كنوزاً أثرية تعود لآلاف السنين