تعد السيرة الجديدة التي أعدها الناقد الأمريكي ريتشارد زينيث بعنوان 'بيسوا، الأعمال- الحياة' حدثاً أدبياً استثنائياً في الأوساط الثقافية العالمية. وقد صدرت مؤخراً في ترجمة فرنسية عن منشورات 'سوي'، لتقدم صورة بانورامية متكاملة عن حياة الشاعر والمفكر البرتغالي فرناندو بيسوا الذي عاش بين عامي 1888 و1935.
كرس زينيث أكثر من عقد من الزمن للبحث في أرشيف بيسوا، محاولاً إعادة بناء السياقات الاجتماعية والسياسية التي شكلت وعيه. ويهدف هذا العمل المضني إلى إلقاء الضوء على النصوص المعقدة التي تركها الأديب، وكشف الرهانات الفكرية التي جعلته واحداً من أعظم كتاب العصر الحديث.
عاش بيسوا حياة اتسمت بالرتابة والهدوء الظاهري، حيث عمل موظفاً بسيطاً في مكاتب تجارية بالعاصمة لشبونة. ورغم أنه لم ينشر في حياته سوى كتاب واحد، إلا أن إرثه الذي كُشف بعد وفاته وضعه في مصاف كبار الأدباء مثل كافكا وبروست وريلكه.
تتجاوز صفحات هذه السيرة 1200 صفحة، وهي لا تكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل تسعى لإعادة بناء العالم النفسي والفكري لبيسوا. وقد اختار المؤلف عنوان 'الأعمال-الحياة' للتأكيد على أن حياة الشاعر وأدبه يشكلان نسيجاً واحداً لا يمكن فصل خيوطه عن بعضها البعض.
اعتمد زينيث في توثيق هذه السيرة على 'الصندوق الخشبي' الشهير الذي تركه بيسوا، والذي احتوى على قرابة 25 ألف ورقة ومخطوطة. هذا الكنز الأدبي ظل مصدراً لا ينضب للاكتشافات الجديدة التي أذهلت الباحثين طوال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
ولد بيسوا في لشبونة عام 1888، وعانى من فقدان والده وشقيقه في سن مبكرة، مما ترك أثراً عميقاً في تكوينه النفسي. انتقل لاحقاً إلى جنوب أفريقيا مع والدته وزوجها الدبلوماسي، حيث تلقى تعليماً إنجليزياً رصيناً في مدرسة كاثوليكية بمدينة ديربان.
ساهم إتقان بيسوا للغة الإنجليزية في تشكيل هويته الأدبية المزدوجة، حيث كتب بها إلى جانب لغته الأم البرتغالية. ورغم عودته إلى البرتغال عام 1905، إلا أن تأثير الثقافة الإنجليزية ظل ملازماً له في كتاباته وترجماته التجارية التي كانت مصدر رزقه الوحيد.
لا أعرف ما الذي يحمله الغد
تميزت تجربة بيسوا بابتكار ما يُعرف بـ 'الأسماء المغايرة'، وهي شخصيات أدبية كاملة لها سير ذاتية وأساليب كتابة مستقلة. ولم تكن هذه الأسماء مجرد أقنعة للتخفي، بل كانت وسيلة لتجسيد تعدد الذوات والصراعات الداخلية التي كان يعيشها الشاعر في عزلته.
تتبع زينيث بدقة ولادة الشخصيات الكبرى التي صنعت مجد بيسوا، وعلى رأسها 'ألبرتو كاييرو' الذي اعتبره المعلم الروحي. كما برزت شخصية 'ريكاردو ريش' بنزعته الكلاسيكية، و'ألفارو دي كامبوس' الذي مثل صخب الحداثة وتوترها الوجودي في قصائده.
يبرز في أرشيف بيسوا اسم 'برناردو سواريس'، الموظف المتواضع الذي نُسبت إليه شذرات 'كتاب اللاطمأنينة'. هذا العمل يُعد اليوم من أهم النصوص الأدبية في القرن العشرين، حيث يعكس القلق الوجودي والحيرة التي عاشها الإنسان المعاصر في مواجهة العالم.
لا يقدم زينيث تفسيراً نفسياً سطحياً لظاهرة تعدد الشخصيات عند بيسوا، بل يبرزها كجماعة من الذوات التي تسكن جسد كاتب واحد. فالمؤلف يرى أن بيسوا لم يتحول إلى 'آخر'، بل تحول إلى مكتبة كاملة من الأصوات والفلاسفة والشعراء الذين خلقهم بخياله.
ترتبط مغامرة بيسوا الداخلية بالسياق التاريخي للبرتغال، حيث كان مهتماً بمصير بلاده واستعادة مجدها الروحي. وقد تأثر بأسطورة 'السبستيانية' التي تغذي الخيال البرتغالي بانتظار عودة الملك المفقود، مما انعكس على رؤيته للهوية الوطنية في أعماله.
تسلط السيرة الضوء على التناقضات في حياة بيسوا، من مواقفه السياسية الملتبسة إلى إدمانه الكحول الذي أدى لوفاته بتليف الكبد. وقبيل رحيله، كتب عبارته الأيقونية 'لا أعرف ما الذي يحمله الغد'، لتكون مسك الختام لحياة قضى صاحبها يبحث عن المعنى في العدم.
استقبل النقاد هذا العمل بحفاوة بالغة، معتبرين إياه السيرة المرجعية التي لا يمكن تجاوزها في دراسة أدب بيسوا. لقد نجح ريتشارد زينيث في الجمع بين الصرامة الأكاديمية ومتعة السرد الروائي، ليحول حياة الشاعر إلى رحلة مذهلة داخل متاهات الذات البشرية.





שתף את דעתך
الحياة الطيفية لفرناندو بيسوا: سيرة ضخمة تكشف أسرار 'صندوق المخطوطات'