تشهد الجزائر تحولاً لافتاً في مشهد الأخطار الرقمية، حيث انتقل المهاجمون إلى أساليب أكثر انتقائية تستهدف سرقة بيانات الدخول والحسابات المصرفية. وتؤشر الأرقام المعلنة على أن هذه البرمجيات لا تكتفي بتعطيل الأجهزة، بل تسعى لاختراق شبكات المؤسسات الكبرى وتنفيذ عمليات احتيال مالي واسعة النطاق.
سجلت مصادر تقنية متخصصة في الأمن السيبراني نحو 78.5 مليون تهديد إلكتروني محلي استهدف أجهزة المستخدمين في الجزائر خلال عام 2025. وأوضحت المصادر أن طبيعة الخطر تغيرت لتصبح أكثر خفاءً، مع التركيز على التهديدات التي تنتشر عبر الوسائط القابلة للإزالة مثل مفاتيح 'USB' والبرامج المقرصنة.
وضعت الإحصائيات الجزائر في المرتبة 23 عالمياً من حيث التعرض لهجمات الويب، بعد رصد 31.4 مليون محاولة هجوم طاولت قرابة 29% من المستخدمين. كما سجلت برمجيات سرقة كلمات المرور نمواً بنسبة 4% مقارنة بالعام السابق، مما يعكس إصرار المهاجمين على الوصول إلى البيانات الحساسة.
أكد خبراء في الأمن الرقمي أن تراجع بعض فئات الهجمات التقليدية لا يعني انخفاض الخطر، بل يشير إلى تطور في أساليب عمل القراصنة. وتتصدر برمجيات سرقة الهوية الرقمية المشهد الحالي، مما يستدعي تعزيز إدارة الوصول وتعميم المصادقة المتعددة العوامل في كافة المؤسسات.
تعتبر النظافة الرقمية اليوم أداة أساسية لحماية الإنتاج والمال العام والخاص في ظل التسارع الكبير للتحول الرقمي الجزائري. فالخطر قد يبدأ من ثغرة بسيطة مثل كلمة مرور ضعيفة أو حساب مهني غير محمي، وهو ما قد يؤدي إلى شلل في قطاعات حيوية كالطاقة والصناعة.
صنفت الهجمات الإلكترونية الحديثة كنوع من الحروب المتطورة التي تدمج بين الجريمة المنظمة والأهداف السياسية. وقد كشفت أبحاث تقنية في أبريل الماضي عن تعرض ملايين الهواتف الذكية في الجزائر للخطر بسبب تطبيقات خبيثة تم زرعها في متجر 'غوغل بلاي' الشهير.
تكمن خطورة الحملات الإلكترونية مثل حملة 'نووفويس' في قدرتها على استخراج البيانات والتجسس الدائم على المستخدمين دون علمهم. وتعمل هذه التطبيقات الخبيثة تحت غطاء ألعاب أو أدوات عادية، مما يسهل انتشارها بين فئات واسعة من المجتمع الجزائري.
الأمن السيبراني لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبح رهاناً على المرونة والسيادة الرقمية وحماية الاستثمارات الوطنية.
يرى باحثون في البرمجيات أن الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها البلاد تتجاوز البعد التقني لتشمل أبعاداً اقتصادية وسياسية واجتماعية. وتهدف بعض هذه الهجمات إلى زعزعة الاستقرار عبر نشر الإشاعات واستخدام الذكاء الاصطناعي لضرب صدقية المؤسسات الحكومية والسيادية.
تستهدف العمليات الإجرامية الرقمية بشكل مباشر القطاع البنكي من خلال طلب الفدية بعد تشفير البيانات الحساسة للمؤسسات. ويشدد مختصون على أن بناء 'جدار رقمي' وطني أصبح ضرورة ملحة لمواجهة هذه الحرب السيبرانية الحقيقية التي تستهدف مقدرات الدولة.
تتطلب الحماية الفعالة تبني استراتيجية متعددة المستويات تبدأ من تحديث الأنظمة وتنتهي بتوعية المستخدم النهائي. وتكتسي هذه الخطوات أهمية مضاعفة في القطاعات الاستراتيجية مثل البنوك والاتصالات والخدمات العمومية التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني.
على الرغم من أن الجزائر لا تزال بعيدة عن التوسع في قطاع العملات المشفرة، إلا أن التهديدات العالمية في هذا المجال تثير القلق. فقد شهد عام 2026 سرقة مئات الملايين من الدولارات عبر ثغرات أمنية، مما يستوجب الحذر من انتقال هذه المخاطر إلى السوق المحلية.
يساهم التطور السريع للذكاء الاصطناعي في تعقيد المشهد الأمني، حيث يساعد المهاجمين على اكتشاف الثغرات بسرعة فائقة. هذا التطور يفرض على الجهات الدفاعية استخدام تقنيات مماثلة لاستباق الهجمات وحماية الأصول الرقمية من القرصنة المتطورة.
تسعى الجزائر لبناء رؤية سيادية ترتكز على تطوير منظومات برمجية محلية الصنع لتقليل الاعتماد على الحلول المستوردة. وقد بدأت الدولة بالفعل في إنشاء مدارس عليا متخصصة لتخرّيج كفاءات قادرة على إدارة البنى التحتية الحيوية بعقول وطنية.
يتمثل التحدي الحقيقي اليوم في الانتقال من منطق الدفاع الموضعي إلى بناء منظومة دفاعية سيبرانية مركزية وشاملة. فالمعركة في العصر الحديث لم تعد تتعلق بمنع الاختراق فحسب، بل بمن يمتلك السيادة الكاملة على البيانات ويتحكم في الخوارزميات المشغلة لها.





שתף את דעתך
الجزائر في مواجهة الحرب الرقمية: 78.5 مليون هجمة سيبرانية خلال عام واحد