أعربت جهات تمثل الجالية السودانية في ليبيا عن قلقها البالغ إزاء الأوضاع المأساوية التي يعيشها المواطنون السودانيون الراغبون في العودة إلى بلادهم. واستنكرت الجالية في بيان رسمي حالة الصمت المطبق من قبل السفارة السودانية والجهات المتخصصة، مطالبة بتحرك عاجل لتأمين سلامة العالقين وضمان وصولهم إلى وجهاتهم.
ويرى آلاف السودانيين المقيمين في المدن الليبية أن خيار العودة إلى الوطن بات طوق النجاة الوحيد للإفلات من الظروف الأمنية والمعيشية القاسية. وتأتي هذه الرغبة الجماعية في المغادرة بعد تصاعد حملات التضييق والملاحقات الأمنية التي تستهدف المهاجرين، خاصة أولئك الذين دخلوا البلاد عبر طرق غير نظامية بحثاً عن الأمان.
منصور آدم، أحد العالقين برفقة أسرته المكونة من خمسة أفراد، يروي تفاصيل معاناتهم بعد منعهم من تجاوز بوابة سرت الاستراتيجية. وأوضح آدم أن السلطات الأمنية أوقفتهم ومنعتهم من مواصلة الطريق نحو مدن الشرق الليبي مثل بنغازي والكفرة، رغم استكمالهم لكافة الإجراءات الإدارية والصحية المطلوبة في البوابات السابقة.
وأشار آدم إلى أن العالقين وجدوا أنفسهم في منطقة خلوية تفتقر لأدنى مقومات الحياة الطبيعية، حيث يواجه الأطفال والنساء شبح الجوع والعطش. وتضطر العائلات للاعتماد على مساعدات رمزية يقدمها سائقو الشاحنات التجارية والمتطوعون، في ظل غياب أي حلول رسمية تنهي معاناتهم المستمرة منذ أيام.
من جانبه، أكد المواطن عبد الباقي حماد أن الهروب من ويلات الحرب في السودان إلى ليبيا تحول إلى رحلة شقاء مضاعفة. وأضاف حماد أن التضييق على المقيمين وعدم توفر فرص عمل مجزية دفعه لاتخاذ قرار العودة مهما كانت المخاطر، إلا أن الإغلاق المفاجئ للطرق حال دون تحقيق ذلك.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن عشرات العائدين يفترشون العراء في مناطق صحراوية قاحلة تحت درجات حرارة مرتفعة جداً. وتستخدم النساء الثياب لإنشاء خيام بدائية توفر القليل من الظل للأطفال، وسط انعدام تام لأماكن قضاء الحاجة أو مرافق الاستحمام، مما ينذر بكارثة صحية وشيكة.
وناشد العالقون المنظمات الإنسانية الدولية بضرورة التدخل الفوري لفتح ممرات آمنة بالتنسيق مع السلطات في شرق وغرب ليبيا. ويرى مراقبون أن الخلافات السياسية بين الحكومتين في ليبيا انعكست سلباً على حركة التنقل، مما أدى إلى إغلاق المعابر بشكل نهائي أمام السودانيين.
رحلة العودة للسودان تحولت إلى أزمة مفتوحة بعد أن أصبحنا بلا مأوى أو خدمات أساسية، ونخشى أن تتحول بوابة سرت إلى مقبرة جماعية.
وفي هذا السياق، حذر ناشط في العمل الإنساني من تحول بوابة سرت إلى 'مقبرة للعالقين' إذا استمر الوضع على ما هو عليه. وأوضح الناشط أن العديد من الأسر تعرضت للاستغلال من قبل سائقي المركبات الذين أوهموهم بأن الطريق مفتوح، ليصطدموا بواقع المنع والاحتجاز في مناطق معزولة.
وتشترط السلطات الليبية حالياً حيازة جوازات سفر سارية المفعول للمرور نحو الشرق، وهو شرط يراه الناشطون تعجيزياً في ظل ظروف اللجوء. فمعظم الذين فروا من الحرب في السودان دخلوا ليبيا عبر مسارات غير رسمية ولا يملكون وثائق ثبوتية محدثة، وهو ما تدركه السلطات جيداً.
وتضج مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو توثق استغاثات الرجال والنساء والأطفال العالقين في الصحراء، مطالبين بتوفير الماء والطعام. ورغم هذه النداءات المتكررة، أفادت مصادر ميدانية بأن طلبات الإجلاء التي قدمت للهلال الأحمر قوبلت بالرفض نتيجة القيود الأمنية المفروضة.
وتشير تقديرات منظمة الهجرة الدولية إلى وجود أكثر من 125 ألف لاجئ سوداني في ليبيا، دخل جزء كبير منهم بعد اندلاع نزاع أبريل 2023. ويواجه هؤلاء المهاجرون مخاطر الموت عطشاً أو الضياع في الصحراء الشاسعة التي تفصل بين البلدين، خاصة في ظل نشاط شبكات التهريب.
وكانت السفارة السودانية قد أعلنت في وقت سابق عن إطلاق برامج للعودة الطوعية تتضمن تسهيلات في تأشيرات الخروج والترحيل. إلا أن هذه المبادرة اصطدمت بالعقبات الميدانية، حيث يجد العائدون من مناطق غرب ليبيا أنفسهم محاصرين عند نقاط التماس الإدارية بين القوى المسيطرة.
ويطالب الحقوقيون بضرورة فصل الملف الإنساني عن التجاذبات السياسية الداخلية في ليبيا، للسماح للراغبين في العودة بالخروج الآمن. ويؤكد الناشطون أن استمرار غياب الحلول العاجلة سيجعل الأزمة أكثر تعقيداً، وقد يؤدي إلى خسائر بشرية في صفوف الفئات الأكثر ضعفاً.
يبقى مصير مئات الأسر السودانية معلقاً بين رغبة في العودة إلى وطن مثقل بالجراح، وواقع ليبي يفرض قيوداً مشددة على حركتهم. وتنتظر هذه العائلات استجابة حقيقية من المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية لإنهاء مأساتهم في قلب الصحراء الليبية قبل فوات الأوان.





שתף את דעתך
سودانيون عالقون عند بوابة سرت: رحلة العودة من ليبيا تتحول إلى مأساة صحراوية