تعيش اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) حالة من التوتر الداخلي غير المسبوق، عقب تفجر الخلافات بين أقطابها في الاجتماع الأول الذي تلا المؤتمر العام الثامن. وقد وصلت هذه التباينات إلى حد مقاطعة عضوي اللجنة المركزية، جبريل الرجوب ومحمود العالول، للاجتماعات اللاحقة التي ترأسها نائب رئيس الحركة المعين حديثاً، حسين الشيخ.
هذه المقاطعة أدت بشكل مباشر إلى عرقلة استكمال توزيع المفوضيات والمهام التنظيمية على أعضاء اللجنة المركزية، رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الاجتماع الأول. ويأتي هذا الجمود في وقت حساس تمر به القضية الفلسطينية، مما يضع الهيكل القيادي للحركة أمام اختبار حقيقي لقدرته على التماسك الداخلي.
تعود جذور الأزمة إلى الجلسة الأولى التي ترأسها الرئيس محمود عباس، حيث قام بترشيح حسين الشيخ لمنصب نائب رئيس الحركة، وهو ما اعتبره معارضون تجاوزاً للأعراف. ورغم أن النظام الداخلي ينص على انتخاب النائب في الجلسة الأولى، إلا أن الاعتراض انصب على غياب التوافق المسبق وفرض القرار بشكل قسري.
من جانبه، صرح جبريل الرجوب بأن انتخاب الشيخ في تلك الجلسة يمثل خروجاً صريحاً عن تقاليد الحركة وإرثها الديمقراطي الذي يعتمد على التشاور. وأكد الرجوب أن الجلسة الأولى يجب أن تكون للتعارف والتباحث حول التحديات الصعبة، وليس لفرض مخرجات جاهزة تكرس النهج الفردي في القيادة.
وشدد الرجوب على أن موقفه الاحتجاجي ينبع من التمسك بجماعية القيادة ورفض ما وصفه بـ"النهج البطريركي" في إدارة شؤون الحركة. ومع ذلك، أشار إلى التزامه بالمخرجات التي تم التوافق عليها، موضحاً أن المقاطعة هي وسيلة للتعبير عن الرفض القاطع لتهميش الكوادر التاريخية للحركة.
في غضون ذلك، ترأس حسين الشيخ اجتماعين للجنة المركزية خلال الأسبوعين الماضيين في ظل غياب الرئيس عباس ومقاطعة الرجوب والعالول. وقد فشلت هذه الاجتماعات في حسم ملف المفوضيات الحساسة، لا سيما تلك التي كان يشغلها القطبان المقاطعان، مما يعكس عمق الفجوة بين القيادات.
أفادت مصادر بأن الرئيس محمود عباس قرر تولي رئاسة مفوضية الإعلام بنفسه، مع تكليف الناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة بإدارة شؤونها اليومية. كما تم إسناد المفوضية المالية لمحمد أشتية، بينما تولى ياسر عباس مفوضية العلاقات الخارجية، في محاولة لترتيب البيت الداخلي رغم الغيابات.
مقاطعة الاجتماعات تُمثل صرخة احتجاجية بأخلاق فتح وقيمها، والحركة هي لكل الشعب الفلسطيني وليست لزعيم أو لفرد.
لا تزال مناصب سيادية داخل الحركة، مثل أمين سر اللجنة المركزية ومفوضية التعبئة والتنظيم، شاغرة حتى اللحظة بسبب تمسك الرجوب والعالول بمواقفهما. وتعتبر هذه المناصب المحرك الأساسي للقواعد التنظيمية للحركة، وبقاؤها دون قيادة مستقرة يهدد الفعالية الميدانية لفتح في الضفة الغربية وقطاع غزة.
يرى مراقبون سياسيون أن الأزمة الحالية تتجاوز مجرد الخلاف على المناصب، لتصل إلى جوهر الصراع على خلافة الرئيس محمود عباس. فتولي حسين الشيخ لمناصب قيادية في الحركة والمنظمة والسلطة يجعله الشخصية الأوفر حظاً لتولي الرئاسة في حال شغور المنصب، وهو ما يثير حفيظة منافسيه.
يشير الأكاديمي رائد الدبعي إلى أن هناك مطالبة جدية داخل أروقة الحركة بضرورة الفصل بين قيادة فتح ومؤسسات السلطة الفلسطينية. ويعتقد الدبعي أن حصر الصلاحيات في يد شخصية واحدة يؤشر إلى ترتيبات مسبقة للمرحلة القادمة، مما قد يؤدي إلى تصدعات أعمق إذا لم يتم التوافق عليها.
من جهة أخرى، حذر محللون من أن استمرار الخلافات بين الجيل الثاني لمؤسسي الحركة سينعكس سلباً على القواعد التنظيمية قبل الانتخابات التشريعية المقررة. فالحركة بحاجة إلى وحدة صف حقيقية لمواجهة التحديات السياسية والانتخابية القادمة، خاصة في ظل الحديث عن انتخابات المجلس الوطني في نوفمبر المقبل.
الباحث السياسي جهاد حرب يرى أن التوترات الشخصية وآلية اتخاذ القرار هي المحرك الأساسي لهذا الانقسام داخل اللجنة المركزية. وأوضح أن كل قطب من الأقطاب المتنازعة يرى في نفسه الأحقية التاريخية والنضالية لتبوء منصب نائب الرئيس، تمهيداً لقيادة المرحلة الانتقالية القادمة.
تتجه الأنظار الآن نحو الخطوات القادمة للرئيس عباس، وما إذا كان سيتدخل لرأب الصدع بين رفاق دربه أم سيستمر في دعم التوجه الحالي. إن قدرة فتح على تجاوز هذه المحنة تعتمد بشكل كبير على العودة إلى مبدأ القيادة الجماعية وفتح حوار وطني داخلي شامل ينهي حالة الاستقطاب.
في الختام، يبقى الامتحان الحقيقي لحركة فتح هو قدرتها على الموازنة بين طموحات قياداتها وبين مصلحة المشروع الوطني الفلسطيني. فالتنازع على السلطة والحركة في آن واحد قد يضعف الموقف الفلسطيني العام في مواجهة الاحتلال والضغوط الدولية المتزايدة على السلطة الوطنية.





שתף את דעתך
أزمة صامتة في مركزية "فتح": مقاطعة واسعة وخلافات حول خلافة عباس وتوزيع المفوضيات