أطلق بنك التسويات الدولية تحذيرات جدية من أخطار متزايدة تحدق بالاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن احتمالات انهيار طفرة الذكاء الاصطناعي وعودة التضخم وتصاعد الضغوط المالية باتت تهدد الاستقرار المالي. وأوضح البنك في تقريره السنوي أن أسواق الائتمان والديون السيادية تعاني من هشاشة واضحة، مما يجعل أي صدمة جديدة سبباً محتملاً لاضطرابات واسعة النطاق.
ورسم التقرير الصادر من مقر البنك في مدينة بازل السويسرية صورة حذرة لمسار النمو العالمي، معتبراً أن الأسواق تتحرك حالياً فوق توازن هش للغاية. وتأتي هذه التقديرات في وقت حساس يسبق انطلاق المنتدى السنوي للبنك المركزي الأوروبي في البرتغال، حيث من المقرر أن يناقش صناع السياسة النقدية تحديات التكنولوجيا والطاقة.
ويرى الخبراء في البنك أن الطفرة الاستثمارية الضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي شهدت ضخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق، قد تتحول إلى مصدر خطر. وحذر التقرير من أن أي تراجع في العوائد المتوقعة لهذه الاستثمارات الضخمة قد يقود إلى موجة تصحيح حادة وعنيفة في الأسواق المالية العالمية.
وأشار التقرير إلى أن خيبة الأمل في أرباح قطاع التكنولوجيا قد تتسبب في انكماش حاد للتمويل، مما يحول موجة الإنفاق الحالية إلى ركود استثماري طويل الأمد. هذا السيناريو قد ينعكس مباشرة على أوضاع الشركات الكبرى وأسواق الأسهم والائتمان، مما يضعف قدرة الاقتصادات على الصمود أمام الأزمات.
ولفتت مصادر اقتصادية إلى أن التشابك المتزايد بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي يجعل تداعيات أي هبوط في أسهم التكنولوجيا أكبر من أي وقت مضى. وحذر البنك من أن الانهيارات السابقة قد لا تقارن بما قد يحدث في حال انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي الحالية نظراً لحجم الاستثمارات المرتبطة بها.
وسلط البنك الضوء على ما وصفه بآليات 'التمويل الدائري' في قطاع التقنية، وهي ترتيبات معقدة تجمع بين الديون والاستثمار في الأسهم بين الشركات المزودة للخدمات. هذه الشبكة المتشابكة من الالتزامات المالية قد تتحول إلى فخ مالي إذا تباطأ نمو القطاع أو تراجعت الطلبات على خدمات الحوسبة السحابية.
وأوضح التقرير أن العديد من مراكز البيانات تُدار عبر شركات خارجية بعقود طويلة الأمد تتضمن بنوداً قد ترفع احتمالات التعثر المالي عند تراجع شهية الاستثمار. كما انتقد مسؤولو البنك ضعف الإفصاح عن تفاصيل هذه الصفقات، مما يصعب من عملية تقييم الأخطار الحقيقية التي تواجه النظام المالي.
خيبة الأمل في أرباح قطاع الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى انكماش التمويل وتحول موجة الإنفاق الحالية إلى فترة طويلة من التراجع الاستثماري.
وفي سياق متصل، أعاد التقرير التذكير بمخاطر عودة التضخم العالمي رغم الهدوء النسبي في أسعار الطاقة مؤخراً. وأكد البنك أن الضبابية الجيوسياسية المستمرة واحتمالات تعطل الإمدادات العالمية لا تزال تشكل تهديداً قائماً قد يرفع كلفة المعيشة والإنتاج بشكل مفاجئ في أي لحظة.
وتزامنت هذه التحذيرات مع بيانات رسمية أظهرت تسارع التضخم في الولايات المتحدة بأعلى وتيرة له منذ ثلاث سنوات، بالإضافة إلى توقعات باستمرار التضخم في أوروبا. ويرى البنك أن هذه المؤشرات تعزز من حالة القلق لدى الأسر والشركات، مما قد يؤدي إلى انتقال زيادات الأسعار بين القطاعات المختلفة.
من جانبه، صرح رئيس بنك التسويات الدولية، بابلو هيرنانديز دي كوس، بأن صدمة التضخم التي بدأت في عام 2022 لا تزال تؤثر على التوقعات الاقتصادية. وأشار إلى أن استمرار الضغوط التضخمية قد يجبر البنوك المركزية على اتخاذ إجراءات قاسية قد تزيد من أعباء الديون على الحكومات والقطاع الخاص.
وحذر التقرير أيضاً من تنامي المخاطر المرتبطة بالديون السيادية، مبيناً أن أسواق السندات أصبحت شديدة الحساسية تجاه تحركات المستثمرين المعتمدين على الرافعة المالية. وأكد أن الاعتماد على التمويل قصير الأجل في شراء السندات الحكومية قد يؤدي إلى انهيارات سريعة عند حدوث أي اضطراب مفاجئ.
وأشار البنك إلى أن صناديق التحوط باتت تلعب دوراً محورياً وخطراً في سوق السندات، حيث تعتمد استراتيجيات قد تنهار وتؤدي إلى موجات بيع عشوائية. وقد لوحظت بوادر هذا التوتر في أسواق السندات البريطانية واليابانية، والتي امتدت آثارها لتطال سندات الخزانة الأمريكية في فترات سابقة.
وخلص التقرير إلى أن ردود فعل الأسواق العالمية قد تصبح أكثر عنفاً وسرعة في المرحلة المقبلة نتيجة التداخل بين العوامل الاقتصادية والسياسية. ودعا البنك الحكومات إلى ضرورة التحرك الاستباقي لاحتواء نقاط الضعف في النظام المالي قبل أن تتحول إلى أزمة شاملة يصعب السيطرة عليها.
وشدد بنك التسويات الدولية على ضرورة تعزيز الشفافية في القطاعات التكنولوجية والمالية لضمان استقرار النمو. واعتبر أن الحذر والرقابة الصارمة هما السبيل الوحيد لتجنب سيناريوهات الانهيار التي قد تنجم عن المبالغة في تقدير قيمة أصول الذكاء الاصطناعي أو إهمال مخاطر الديون المتراكمة.





שתף את דעתך
بنك التسويات الدولية يحذر من 'فقاعة' الذكاء الاصطناعي ومخاطر انهيار الاستقرار المالي العالمي