تتحول منافسات كأس العالم في كثير من الأحيان من عرس كروي عالمي إلى ساحة تتشابك فيها الانتماءات الوطنية والدينية والسياسية بشكل معقد. ويبرز تساؤل جوهري حول دوافع المشجعين، فهل ينصب الاهتمام على جودة الأداء والمهارات الفنية، أم أن الهوية الأيديولوجية والجغرافية هي التي تقود العواطف في المدرجات وخلف الشاشات؟
إن جوهر كرة القدم يرتكز على الإبداع الفردي والعمل الجماعي المنضبط، وهي قيم يجب أن تسمو فوق أي اعتبارات أخرى داخل المستطيل الأخضر. فالمشجع الحقيقي هو من يقدر روعة التمريرات ودقة الخطط التكتيكية، بعيداً عن لون العلم أو الخلفية السياسية للدولة التي يمثلها الفريق، لأن الرياضة في أصلها وسيلة للتقريب لا للتفريق.
وعلى الرغم من أن تشجيع المنتخب الوطني يعد سلوكاً فطرياً يعزز الانتماء، إلا أن الإشكالية تكمن في تحول هذا الشعور إلى كراهية تجاه الآخر أو تمني الخسارة لفرق مبدعة لمجرد الاختلاف السياسي مع حكوماتها. هذا النوع من التعصب يحجب الرؤية عن التميز الرياضي ويحول البطولة من مناسبة للاحتفال بالجمال الكروي إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسامات المجتمعية.
كرة القدم في أصلها لعبة تقوم على الإبداع والمهارة، وليست ميداناً لإثبات صحة الأفكار السياسية أو التفوق الديني.
إن الاعتراف بتفوق فريق منافس لا يعد خيانة للانتماء، بل هو احترام لمبادئ المنافسة الشريفة وتقدير للجهد المبذول في التدريب والتخطيط. فالفرق العظيمة لم تصل إلى قمة الهرم الكروي بمحض الصدفة أو بناءً على هويات لاعبيها، بل من خلال سنوات من العمل الجاد وتطوير المواهب التي لا تعترف بحدود جغرافية أو عرقية.
وفي ظل العولمة الحالية، باتت معظم المنتخبات الكبرى تعكس تنوعاً بشرياً هائلاً، حيث تضم لاعبين من أصول ومنابت مختلفة يجمعهم قميص واحد. هذا الواقع يفرض على الجماهير تجاوز النظرة الضيقة، فإذا كانت الفرق نفسها قد تجاوزت مفاهيم النقاء العرقي، فمن الأولى بالمشجع أن يواكب هذا التطور وينظر للموهبة كمعيار وحيد للتقييم.
في نهاية المطاف، يجب ألا تُعامل مباريات كرة القدم كحروب رمزية، بل كفرصة نادرة للتنافس الإنساني الراقي الذي ينتهي بصافرة الحكم. إن التفوق الحقيقي تصنعه الأقدام المبدعة والعقول المدبرة، وليس الشعارات السياسية، والوصول إلى هذه القناعة هو السبيل الوحيد لاستعادة الرسالة الحضارية للرياضة كجسر للتواصل بين الشعوب.





שתף את דעתך
بين متعة اللعبة وعصبية الهوية.. هل ضلّت كرة القدم طريقها في المونديال؟