تختزل سيرة الصحافي وائل الدحدوح مأساة العمل الإعلامي في قطاع غزة بعد مرور ألف يوم على حرب الإبادة المستمرة. فمنذ أكتوبر 2023، لم يتوقف نزيف عائلته وزملائه، حيث فقد زوجته وأبناءه وحفيده، وصولاً إلى استشهاد ابنه الصحافي حمزة، ليتحول الشاهد إلى جزء أصيل من الصورة الدامية التي يحاول نقلها للعالم.
بات العمل الصحافي في غزة أحد أكثر المهن كلفة في العصر الحديث، حيث وثقت لجنة حماية الصحافيين استشهاد 209 صحافيين وعاملين في الإعلام حتى منتصف عام 2026. وتصف المنظمات الدولية هذه الفترة بأنها الأكثر دموية للصحافة منذ بدء التوثيق الرسمي في تسعينيات القرن الماضي، في ظل استهداف متعمد للطواقم الميدانية.
في خانيونس، ترك المصور سامر أبو دقة ينزف لساعات طويلة في ديسمبر 2023 بعد استهدافه أثناء أداء واجبه المهني، ومنع الاحتلال وصول سيارات الإسعاف إليه. هذه الواقعة أكدت أن سترة الصحافة وشاراتها لم تعد توفر حماية لحاملها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى علامة تجعل صاحبها هدفاً مباشراً للقصف.
لم تكن حادثة اغتيال حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا في رفح مطلع عام 2024 مجرد خطأ عسكري، بل كانت جزءاً من نمط متكرر يستهدف تصفية العيون التي ترصد الحقيقة. فقد استهدفت غارة إسرائيلية سيارتهما بشكل مباشر أثناء توجههما لتغطية آثار الدمار، مما عمق مأساة العائلات الصحافية التي تدفع ثمن الكلمة من دماء أبنائها.
وفي شمال القطاع، واجه مراسلون مثل إسماعيل الغول ورامي الريفي مصيراً مشابهاً في يوليو 2024، حيث لم يكتفِ الاحتلال بقتلهما بل لاحقهما بحملات تشويه إعلامية. هذا الأسلوب يهدف إلى نزع الصفة المهنية عن الصحافي الفلسطيني بعد اغتياله، لتبرير الجريمة أمام المجتمع الدولي والطعن في صدقية الرواية الفلسطينية.
استمرت سلسلة الاغتيالات لتطال وجوهاً شابة برزت في تغطية الحصار والمجاعة، مثل حسام شبات ومحمد منصور اللذين استشهدا في مارس 2025. هؤلاء الصحافيون ظلوا ينقلون صور المعاناة من بيت لاهيا وجنوب القطاع رغم التهديدات المستمرة، مؤكدين أن الرسالة الإعلامية أقوى من محاولات الترهيب والقتل الممنهج.
بلغت الجريمة ذروتها باستهداف 'خيمة الصحافيين' قرب مستشفى الشفاء في أغسطس 2025، مما أدى لاستشهاد كوكبة من الإعلاميين بينهم أنس الشريف ومحمد قريقع. استهداف الخيمة كان رسالة واضحة بأنه لا يوجد مكان آمن للعمل الصحافي، وأن الاحتلال يسعى لضرب مراكز التغطية المتبقية في المدن المدمرة.
الصحافي في غزة ليس خارج الخبر، بل هو في قلبه تماماً؛ ينقل القصف ثم يُقصف، ويوثّق الفقد ثم يفقد نفسه.
أنس الشريف، الذي كان صوتاً بارزاً في نقل مأساة شمال غزة، استُهدف في مكان عمله المفترض حمايته بموجب القوانين الدولية. ورغم اتهامات الاحتلال الجاهزة، طالبت المؤسسات الحقوقية بتحقيقات دولية مستقلة، معتبرة أن غياب المحاسبة هو ما يشجع الجيش الإسرائيلي على مواصلة تصفية الكوادر الإعلامية.
الصحافة في غزة لم تُنتج من غرف أخبار محصنة، بل من داخل الفقد والجوع والنزوح المستمر. فالصحافي الفلسطيني يغطي أخبار المجاعة وهو جائع، وينقل صور تدمير المنازل وهو يبحث عن مأوى لعائلته، مما جعل تقاريره شهادات حية من قلب التجربة الإنسانية الأكثر قسوة.
تتزامن هذه الاغتيالات مع منع الاحتلال دخول الصحافيين الدوليين بشكل مستقل إلى قطاع غزة، مما يضع عبء الحقيقة كاملاً على عاتق الصحافي المحلي. إن تغييب الشاهد الخارجي وقتل الشاهد المحلي يهدف إلى خلق فراغ معلوماتي يسمح للقاتل برواية الجريمة وفق منظوره الخاص دون رقيب.
تشير الأرقام الصادمة إلى استشهاد أكثر من 73 ألف فلسطيني خلال ألف يوم، في حين ألقى الاحتلال نحو 223 ألف طن من المتفجرات على القطاع. هذه الأرقام المهولة لم تكن لتصل إلى العالم لولا تضحيات الصحافيين الذين خاطروا بحياتهم لتوثيق كل غارة وكل مجزرة في مختلف المحافظات.
لقد أدرك الصحافيون في غزة مبكراً أن الكاميرا هي سلاحهم الأخير في معركة الذاكرة ضد المحو الممنهج. فكل صورة يتم إرسالها هي دليل قانوني وتاريخي على أحياء سُحقت وعائلات شُطبت من السجل المدني، وهو ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على كسر إرادة الطواقم الإعلامية.
بعد ألف يوم، لم يعد ممكناً اعتبار استهداف الصحافيين 'أضراراً جانبية'، بل هو فصل أساسي من فصول حرب الإبادة. فالمسار الزمني والوقائع الميدانية تثبت وجود نية مبيتة لإسكات الصوت الفلسطيني، سواء بالقصف المباشر أو بالاعتقال والتعذيب في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
ستبقى شهادة صحافيي غزة محفورة في التاريخ كواحدة من أعظم ملاحم الصمود المهني والإنساني. ورغم الثمن الباهظ الذي دفعوه من أجسادهم وأرواحهم، إلا أنهم نجحوا في منع تمرير الجريمة بصمت، تاركين خلفهم أرشيفاً بصرياً وحقوقياً لا يمكن للزمان أو القصف أن يمحوه.





שתף את דעתך
ألف يوم من الإبادة في غزة: الصحافيون شهود بدمائهم على الجريمة