حين كتب الصديق العزيز الأستاذ صلاح الدين موسى أنني "انتصرت بالعلم"، بقيت العبارة ترافقني أياماً. لم أختلف معها، لكنني شعرت أنها لم تقل كل الحكاية. فالذي انتصر لم يكن شخصًا، بل فكرة.
في الأسر، يتغير معنى الزمن. الدقيقة ليست ستين ثانية، بل عمرٌ كامل. والسنوات لا تُعدُّ بالتقويم، بل بالوجوه التي تكبر بعيدًا عنك، وبالأمهات اللواتي يشيبن في الانتظار، وبالأطفال الذين يتعلمون أن ينادوا آباءهم من خلف الزجاج.
حين اعتُقلت، تركت ابني رضيعًا، لم يكن قد تجاوز خمسة أشهر. لم يكن يعرف من الدنيا سوى حضن أمه، ولم أكن أعرف أنني سأغيب عنه ثلاثة وعشرين عامًا كاملة.
ثلاثة وعشرون عاماً.. وحين فُتحت أبواب الحرية أخيرًا، لم أجد ذلك الطفل الذي تركته. وجدت رجلًا في الرابعة والعشرين من عمره، مهندسًا يحمل شهادته بيده، بينما كنت أحاول أن أتعرف إلى ملامحه كما يتعرف الغريب إلى وجهٍ يعرف أنه يشبهه.
في تلك اللحظة، لم أبكِ لأن العمر مضى، بل لأن الاحتلال سرق منا الأشياء التي لا تُستعاد ، أول كلمة، وأول خطوة، وأول يوم مدرسة، وأول نجاح، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الآباء ذاكرتهم.
هناك أدركت أن السجن لا يعتقل الإنسان وحده، بل يحاول اعتقال الزمن نفسه، لكننا في الأسر قررنا أن نهزم الزمن بطريقة أخرى. قررنا أن نتعلم. لم يكن التعلم وسيلة للحصول على شهادة، بل وسيلة للبقاء. لم نكن نقرأ لننجح في امتحان، بل لننجو من الانكسار. كنا نبحث في كل كتاب عن نافذة، وفي كل فكرة عن هواء، وفي كل حوار عن حياة. ومن قلب تلك التجربة ولدت عبارة لازمتني سنوات طويلة، حتى أصبحت منهجًا للحياة قبل أن تكون عنوانًا لبرنامج في المهارات الحياتية: "تعلَّم .. كي لا تتألَّم".
كنت أؤمن أن الألم حين يبقى بلا معنى يتحول إلى هزيمة، أما حين يتحول إلى معرفة، فإنه يصبح قوة تدفع الإنسان إلى الأمام. لهذا، لم تكن الزنزانة بالنسبة إلينا نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر. صنعنا من الجدران قاعات درس، ومن النقاشات محاضرات، ومن تبادل الكتب مكتبة، ومن الصبر مدرسة كاملة في بناء الإنسان. تعلمنا أن الحرية تبدأ من العقل قبل أن تبدأ من الباب.
واليوم، حين حصلت على درجة الدكتوراه، لم أشعر أنني وصلت إلى نهاية رحلة، بل شعرت أنني أوفيت جزءًا صغيرًا من دينٍ كبير لهذا الشعب. فكل ما حققته هو ثمرة آلاف الأسرى الذين اقتسموا كتابًا واحدًا، ودفترًا واحدًا، وحلمًا واحدًا. وثمرة الأمهات اللواتي كنّ يرسلن مع الزيارة دعواتهن قبل الطعام، وثمرة شعبٍ لم يتوقف عن الإيمان بأن المعرفة مقاومة، وأن التعليم فعل تحرر.
ولذلك، فإن هذه الشهادة ليست لي وحدي. هي لكل أسير ما زال يكتب على جدار زنزانته موعدًا مع الحرية، ولكل أم تنتظر ابنها منذ سنوات، ولكل أب حُرم من أن يرى أبناءه يكبرون، ولكل طفل كبر وهو يحلم أن يعانق والده بلا حواجز، ولكل طالب فلسطيني يفتح كتابه اليوم تحت القصف، أو عند حاجز، أو في خيمة نزوح، لأنه يؤمن أن المستقبل لا يُؤخذ هدية، بل يُنتزع بالعلم.
شكراً للأستاذ صلاح، لأنه لم يرَ في الدكتوراه شهادة تُعلَّق على الحائط، بل رأى فيها انتصارًا للإرادة. أما أنا، فأراها عهدًا جديدًا؛ أن أبقى وفيًا لتلك العبارة التي ولدت في السجن، وما زالت تختصر رحلتي كلها: تعلَّم .. كي لا تتألَّم.
فقد يستطيع السجّان أن يسلب الإنسان حريته، لكنه يعجز دائمًا عن أن يمنعه من أن يتعلّم، وأن يحلم، وأن يحوّل وجعه إلى نور، وتلك، في ظني، هي الحكاية الحقيقية لفلسطين.
א 28 יונ 2026 9:40 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
تعلَّم .. كي لا تتألَّم