في الوقت الذي يشهد فيه النظام الدولي تحولات عميقة، وتواجه القضية الفلسطينية أخطر التحديات السياسية والقانونية منذ عقود، يبرز سؤال الشرعية السياسية بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً على الساحة الفلسطينية. فمنذ أكثر من عشرين عاماً لم يشارك الفلسطينيون في انتخابات عامة شاملة، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته السياسية، وأضعف الثقة الشعبية، وطرح تساؤلات مشروعة حول قدرة النظام السياسي على مواكبة المتغيرات المتسارعة والاستجابة لتطلعات المواطنين وحماية المشروع التحرري الفلسطيني.
في كل مرة يُطرح فيها موضوع الانتخابات الفلسطينية، تعود إلى الواجهة قائمة طويلة من المبررات والعقبات والتحديات التي يُقال إنها تجعل إجراءها أمراً مستحيلاً أو غير واقعي في الظروف الراهنة. الاحتلال قائم، والانقسام مستمر، والحرب على غزة لم تتوقف تداعياتها بعد، والقدس ما زالت تواجه سياسات الضم والتهويد، فيما تتعرض الضفة الغربية لتوسع استيطاني غير مسبوق وإجراءات تقوض مقومات الدولة الفلسطينية. ومع ذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا لا نستطيع إجراء الانتخابات؟ بل إلى متى يمكن للنظام السياسي الفلسطيني أن يستمر دون تجديد شرعيته الديمقراطية؟
فالانتخابات ليست مجرد إجراء إداري أو استحقاق قانوني دوري، وإنما تمثل جوهر العقد الاجتماعي الذي تستند إليه شرعية الدولة الحديثة. وقد انطلق الفيلسوف توماس هوبز من فكرة أن الأفراد يتنازلون عن جزء من حرياتهم لصالح سلطة سياسية توفر الأمن والاستقرار وتحمي المجتمع من الفوضى. أما جون لوك، فقد اعتبر أن شرعية السلطة لا تُستمد من القوة أو الأمر الواقع، بل من رضا المحكومين، وأن الشعب يحتفظ بحق محاسبة السلطة وتغييرها إذا أخفقت في حماية الحقوق الأساسية. بينما أكد جان جاك روسو أن السيادة تعود للشعب وحده، وأن الإرادة العامة هي المصدر الحقيقي للشرعية السياسية، وأن السلطة التي تنفصل عن إرادة المواطنين تفقد مبرر وجودها الأخلاقي والسياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات الفلسطينية ليست مجرد عملية اقتراع، بل إعادة تأسيس للعلاقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وتجديد للتفويض الشعبي الذي تستند إليه المؤسسات الوطنية في تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه. فالشرعية لا تُمنح إلى الأبد، ولا تُكتسب بمرور الزمن، وإنما تتجدد من خلال الإرادة الحرة للمواطنين ومشاركتهم السياسية المنتظمة.
كما أن بناء نظام سياسي ديمقراطي لا يكتمل دون ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات الذي طوره مونتسكيو باعتباره الضمانة الأساسية لمنع احتكار السلطة وصون الحقوق والحريات. فالتوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ليس مسألة إجرائية فحسب، بل هو جوهر دولة القانون والمؤسسات. وفي الحالة الفلسطينية، فإن استمرار غياب المجلس التشريعي المنتخب أوجد اختلالاً بنيوياً في منظومة الحكم وأضعف أدوات الرقابة والمساءلة التي تشكل ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية الحديثة.
ولا يمكن الحديث عن الانتخابات الفلسطينية دون التوقف عند القدس المحتلة، التي تمثل جوهر السيادة الوطنية الفلسطينية. فمشاركة المقدسيين ليست قضية فنية أو إدارية، وإنما معركة سياسية وقانونية تؤكد حق الشعب الفلسطيني في ممارسة سيادته السياسية على أرضه وعاصمته. لكن في الوقت ذاته، يجب ألا يتحول التعنت الإسرائيلي إلى حق في تعطيل الديمقراطية الفلسطينية أو إلى فيتو دائم على الحياة السياسية الفلسطينية. فالمطلوب هو تطوير آليات وطنية وإبداعية تضمن مشاركة أبناء القدس وتحافظ على الحق السياسي الفلسطيني بدلاً من تعليق العملية الديمقراطية بأكملها.
إن التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني اليوم غير مسبوقة. فالحرب على غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، ومحاولات تقويض حل الدولتين، والتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، كلها عوامل تجعل الحاجة إلى تجديد الشرعية أكثر إلحاحاً لا أقل. فلا يمكن الحديث عن إعادة إعمار غزة، أو إصلاح مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، أو بناء استراتيجية وطنية موحدة، دون العودة إلى الشعب باعتباره مصدر الشرعية وصاحب السيادة.
إن الانتخابات أداة وليست غاية، وسيلة وليست هدفا او حلاً سحرياً لكل الأزمات الفلسطينية، لكنها تشكل نقطة البداية الضرورية لأي عملية إصلاح سياسي جادة. وهي ليست شرطاً خارجياً للحوكمة والإصلاح، بل حاجة وطنية، وحق كل مواطن في المشاركة السياسية إذن ليس ترفاً ديمقراطياً يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية واستراتيجية تعزز صمود النظام السياسي، وتمنحه القدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بغطاء وإرادة شعبيَّين.
وفي نهاية المطاف، فإن الديمقراطية الفلسطينية ليست فقط وسيلة للحكم، بل شكل من أشكال المقاومة السياسية. فالشعب الفلسطيني يناضل من أجل التحرر الوطني وحرية المواطن في بناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على سيادة القانون، والفصل بين السلطات، واحترام التعددية السياسية، وصون حقوق الإنسان. وكما تؤكد النظرية السياسية الحديثة، فإن الدولة القوية ليست تلك التي تحتكر السلطة، بل تلك التي تستمد قوتها من شرعية شعبها وثقة مواطنيها. لذلك، فإن العودة إلى صناديق الاقتراع لم تعد مجرد خيار سياسي، بل أصبحت ضرورة وطنية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد شرعيته في مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل. الانتخابات فرصة يجب ألا تضيع بغض النظر عن الظروف.
א 28 יונ 2026 9:36 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
الانتخابات الفلسطينية والشرعية: بين العقد الاجتماعي ومتطلبات الدولة