أعادت التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن إمكانية اضطلاع سوريا بدور في مواجهة نفوذ حزب الله، طرح تساؤلات استراتيجية تتجاوز الجغرافيا اللبنانية. إذ يبدو أن واشنطن تبحث عن أدوات غير تقليدية لإدارة الصراع في مرحلة تتسم بتحولات إقليمية متسارعة ومعقدة.
لا تقتصر هذه الرؤية الأمريكية على مستقبل حزب الله فحسب، بل تمتد لتشمل طبيعة التوازنات التي تسعى الإدارة الأمريكية لفرضها في الشرق الأوسط. ويبرز التساؤل عما إذا كان هذا التوجه يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية، أم مجرد عودة لمنطق قديم يعتمد على توزيع الأدوار بين القوى المحلية.
تدرك الدوائر السياسية في واشنطن أن المواجهة العسكرية الطويلة مع حزب الله لم تحقق حسمًا نهائيًا رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح. فقد أفرزت سنوات الصراع معادلات ردع متبادلة فرضت قيودًا ثقيلة على جميع الأطراف المنخرطة في هذا النزاع الإقليمي.
يواجه حزب الله في الوقت الراهن ظروفاً داخلية وخارجية تختلف جذرياً عن مراحل سابقة، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان. ومع ذلك، لا يزال الحزب يحتفظ بقدرات ردع تجعل من خيار إقصائه عسكرياً أمراً مرتفع الكلفة وغير مضمون النتائج على المدى البعيد.
تكمن المعضلة اللبنانية في عجز الدولة عن حسم قضية السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، وهو عجز تحول بمرور الوقت إلى جزء بنيوي من النظام السياسي. ويرتبط هذا الملف بتوازنات داخلية دقيقة وشبكة معقدة من الارتباطات الإقليمية التي تجعل الحلول المحلية وحدها غير كافية.
من هذا المنطلق، تبرز دمشق في الحسابات الأمريكية كطرف محتمل لإعادة صياغة المشهد، حيث تزداد أهميتها كلما اتسعت أبعاد القضية اللبنانية. ومع ذلك، تبدو سوريا اليوم في مرحلة اختبار سياسي أكثر من كونها طرفاً مستعداً لخوض مواجهات مباشرة وجديدة.
تنشغل الدولة السورية حالياً بأولويات إعادة بناء المؤسسات وإنعاش الاقتصاد المنهك وترسيخ الاستقرار الداخلي بعد سنوات من الحرب الاستنزافية. ولذلك، يصعب تصور وجود رغبة سورية في الانخراط بصراع مفتوح جديد مهما كانت حجم الضغوط أو الإغراءات الدولية المقدمة.
إن انتقال دمشق من موقع الساحة التي تتقاطع فوقها المصالح إلى موقع اللاعب الذي يدير مصالحه الخاصة كفيل بإعادة توزيع بعض موازين النفوذ داخل الإقليم.
تشير القراءة المتأنية للتصريحات الأمريكية إلى أن واشنطن قد تنظر لدمشق كأكثر من مجرد ورقة ضغط، بل كعنصر أساسي في إعادة تشكيل توازنات المشرق العربي. ويعد هذا التوجه اختباراً لإمكانية بناء معادلة إقليمية تحد من الانفراد الإيراني بمسارات النفوذ في المنطقة.
إن العودة التدريجية لسوريا إلى محيطها العربي وتوسيع هامش حركتها الدولية قد يسهمان في خلق مركز ثقل إقليمي يمتلك استقلالية سياسية أكبر. ورغم أن الحديث عن ندية كاملة مع طهران يبدو مبكراً، إلا أن تحول دمشق للاعب يدير مصالحه الخاصة سيغير موازين القوى.
تستحضر هذه السياسة الأمريكية ذاكرة الرهانات السابقة في الثمانينيات، عندما حاولت واشنطن توظيف العراق كثقل موازن لإيران خلال حربهما الطويلة. وقد أثبتت تلك التجربة التاريخية هشاشة الرهان على هندسة التوازنات عبر إسناد أدوار وظيفية لقوى إقليمية متغيرة الولاءات والمصالح.
انتهت الاستراتيجية الأمريكية السابقة مع العراق إلى تحولات كبرى بدأت بغزو الكويت وصولاً إلى تفكيك الدولة العراقية وإحداث اضطراب استراتيجي مستمر. وهذا يؤكد أن السياسات التي تحقق مكاسب قصيرة الأجل قد تنتج عواقب تتجاوز حسابات صانعي القرار الأصليين.
لا تكمن أهمية المقارنة بين الحالتين السورية والعراقية في تشابه الظروف، بل في إظهار حدود القدرة على التحكم في مخرجات الصراعات الإقليمية. فما يظهر اليوم كأداة لتحقيق التوازن قد يتحول مستقبلاً إلى مصدر لاختلالات أمنية وسياسية جديدة في منطقة شديدة التقلب.
يبقى جوهر الأزمة اللبنانية مرتبطاً بغياب تسوية سياسية مستقرة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة تحت مظلة السيادة الوطنية. وما لم تتوفر هذه التسوية، فإن تبدل الأدوار الإقليمية سيغير شكل الأزمة دون معالجة أسبابها الحقيقية والجذرية.
في الختام، لا تبدو تصريحات ترامب مجرد مؤشر على نقل المواجهة مع حزب الله إلى الجبهة السورية، بل هي محاولة لاختبار أدوات نفوذ جديدة. ويبقى السؤال قائماً حول قدرة هذه التوازنات المؤقتة على إنتاج استقرار مستدام في ظل غياب سيادة الدول الكاملة على قرارها وقوتها.





שתף את דעתך
واشنطن واختبار دمشق: هل تنجح هندسة التوازن مع إيران عبر البوابة اللبنانية؟