د. إبراهيم نعيرات
تشهد العلاقة بين واشنطن وتل أبيب مرحلة من إعادة التموضع السياسي، لا تبدو في ظاهرها قطيعة أو تراجعًا عن التحالف التقليدي، لكنها تعكس تحولًا مهمًا في أسلوب الخطاب الأميركي نفسه، خصوصًا داخل أوساط الحزب الجمهوري، حيث تتزايد أهمية مقاربة السياسة الخارجية من زاوية “المصلحة الأميركية أولًا”. هذا التحول لا يعني تفكك التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، لكنه يشير إلى إعادة صياغة لطريقة عرضه سياسيًا وإعلاميًا أمام الداخل الأميركي الذي بات أكثر حساسية تجاه كلفة الانخراط الخارجي وتعدد أزماته، وهو ما يتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية النصفية لعام 2026، التي تدفع الخطاب السياسي نحو مزيد من الوضوح والحِدّة في قضايا السياسة الخارجية.
في هذا السياق، يمكن فهم العلنية المتزايدة في تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين، والتي تؤكد استقلال القرار الأميركي أو تذكّر بحجم الدعم العسكري لإسرائيل، باعتبارها جزءًا من خطاب موجه بالدرجة الأولى إلى الجمهور الأميركي. ويبدو أن هذا الخطاب يهدف إلى التأكيد أن السياسة الخارجية الأميركية لا تُدار تلقائيًا وفق اعتبارات التحالفات، بل تخضع لمراجعة مستمرة تشمل الكلفة والنتائج والأولويات الداخلية، في ظل وجود تيارات سياسية داخل الحزب الجمهوري تميل إلى تقليص الانخراط الخارجي، ومع تصاعد أهمية المزاج الانتخابي في توجيه أولويات الخطاب السياسي.
هذا التحول في اللغة السياسية يتقاطع مع مرحلة إقليمية شهدت مواجهة عسكرية شاركت فيها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في سياق التصعيد مع إيران، قبل أن تنتهي لاحقًا إلى تفاهمات هدفت إلى خفض التوتر. وقد أبرزت تلك المرحلة مخاطر توسع الصراع الإقليمي وتأثيراته على أسواق الطاقة والاستقرار الدولي، وهو ما دفع دوائر القرار في واشنطن إلى مزيد من الحذر في إدارة الانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط، وتفضيل أدوات الاحتواء والضغط الدبلوماسي على المواجهة المفتوحة.
وفي هذا الإطار، جاءت التصريحات العلنية التي انتقدت بعض مواقف مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، أو شددت على حجم الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، كجزء من محاولة لإعادة ضبط إيقاع العلاقة دون المساس بجوهرها الاستراتيجي. فهي تؤكد استمرار التحالف، لكنها في الوقت نفسه تعكس رغبة في تقليل مخاطر الانزلاق إلى تصعيد أوسع لا ترغب واشنطن في تحمّل تكلفته السياسية أو العسكرية، خصوصًا في ظل بيئة سياسية داخلية أكثر ارتباطًا بالحسابات الانتخابية.
في المقابل، تسود داخل إسرائيل قراءات تعكس قلقًا متزايدًا من تراجع مستوى “الضمان السياسي غير المشروط”، رغم استمرار الدعم العسكري القوي. هذا القلق لا يرتبط بإمكانية إنهاء الدعم، بل بإمكانية ربطه أكثر بسلوك الحكومة الإسرائيلية في الملفات الإقليمية، وهو ما يجعل أي انتقاد أميركي علني يُنظر إليه بوصفه مؤشرًا سياسيًا حساسًا، حتى وإن لم يغيّر في جوهر الالتزامات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يبرز نقاش متزايد في بعض الدوائر السياسية حول موقع بنيامين نتنياهو في المعادلة مع واشنطن، ليس من زاوية انهيار العلاقة، بل من زاوية حدود التأثير السياسي المباشر وغير المباشر على القرار الأميركي. ومع ازدياد العلنية في التباينات حول ملفات مثل إيران وإدارة التصعيد الإقليمي، ومع تزايد الحذر الأميركي من كلفة الانخراط الخارجي، تبدو مساحة المناورة السياسية أمام الحكومة الإسرائيلية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في مراحل سابقة، دون أن يعني ذلك تحولًا جذريًا في طبيعة التحالف.
أما في الصورة الأوسع، فيمكن قراءة ما يجري بوصفه انتقالًا تدريجيًا من إدارة صراعات مفتوحة إلى إدارة توازنات أكثر حذرًا. فالولايات المتحدة لا تشير سياساتها إلى انسحاب من الإقليم، لكنها تميل بشكل متزايد إلى تقليل الانخراط المباشر، وتفضيل أدوات الضغط الدبلوماسي وإدارة التوازنات بدل الدخول في مواجهات طويلة أو غير محسوبة النتائج.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد داخل الولايات المتحدة نقاش عام أكثر تنوعًا حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل. فبدل التسليم التقليدي بأهمية الدعم غير المشروط، باتت بعض الشرائح، خصوصًا لدى الأجيال الأصغر، تطرح أسئلة تتعلق بكلفة هذا الدعم وانعكاساته على الداخل الأميركي. هذا النقاش لا يعكس موقفًا موحدًا أو تحولًا شاملًا في الرأي العام، لكنه يشير إلى إعادة طرح العلاقة ضمن إطار حسابات الكلفة والفائدة، في ظل تعدد الأزمات الداخلية والخارجية.
كما يوازي ذلك تطور آخر يتمثل في ازدياد الجدل حول السرديات المتداولة بشأن الصراع في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الرواية الإسرائيلية التقليدية تحتكر مساحة التفسير كما في السابق، بل أصبحت موضوعًا لنقاش أوسع وأكثر تعددية، مقابل حضور متزايد لروايات تركز على الجوانب الإنسانية والمعاناة الفلسطينية. هذا التحول لا يعكس بالضرورة تغييرًا في السياسات الرسمية، لكنه يشير إلى تغير في بيئة النقاش العام وتعدد مصادره وتأثيراته، خصوصًا مع توسع الإعلام الرقمي ومنصات التواصل.
ويُضاف إلى ذلك أن الرأي العام الأميركي بات أحد العناصر التي تُؤخذ في الاعتبار بشكل أكبر داخل حسابات السياسة الخارجية، وإن بصورة غير مباشرة. فمع تنامي الحساسية تجاه كلفة التدخلات الخارجية، أصبحت الإدارات الأميركية أكثر حرصًا على مواءمة خطابها مع المزاج الداخلي، دون أن يعني ذلك خضوع القرار الخارجي بالكامل له، بل إدخاله كعامل من بين عوامل متعددة في عملية صنع القرار.
وبذلك، لا يبدو التحول الجاري تحولًا في جوهر التحالف الأميركي–الإسرائيلي بقدر ما هو إعادة تنظيم لطريقة إدارته وحدود التعبير عنه. فالعلاقة ما زالت قائمة على أسس استراتيجية راسخة، لكن طريقة مقاربتها أصبحت أكثر تعقيدًا، وأكثر ارتباطًا بالتوازن بين الالتزامات الخارجية والاعتبارات الداخلية، في بيئة دولية وإقليمية أكثر اضطرابًا وتعددًا في مراكز التأثير.





שתף את דעתך
إعادة ضبط العلاقة الأميركية–الإسرائيلية في ظل التحولات الداخلية الأميركية وما بعد الحرب مع إيران