ש 20 יונ 2026 8:55 am - שעון ירושלים

الإنتاج كضرورة للصمود الاقتصادي

 

افتتح تشارلز ديكنز روايته الشهيرة "قصة مدينتين" عام 1859 بجملته الخالدة: " كان ذلك أفضل الأزمنة، وكان ذلك أسوأ الأزمنة". وبعد أكثر من قرن ونصف، ربما لا يوجد ما يجسد هذا التناقض بصورة أوضح من الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون والإسرائيليون على أرض واحدة في ظل الفروقات الكبيرة بينهم في مستويات التقدم والازدهار الاقتصادي.

ففي وقت سابق من العام الماضي، أعلنت شركة Alphabet المالكة لـ Google استحواذها على شركة Wiz الإسرائيلية المتخصصة بالأمن السيبراني وأنظمة الذكاء الاصطناعي في صفقة قُدّرت بنحو 32 مليار دولار، لتصبح واحدة من أكبر صفقات التكنولوجيا عالمياً في هذه الفترة. والمفارقة أن قيمة هذه الصفقة وحدها تتجاوز أكثر من ضعفي حجم الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بأكمله.

ومن الصعب تجاهل دلالات هذه المقارنة. فإسرائيل تمتلك اليوم اقتصاداً يتجاوز فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 50 ألف دولار سنوياً، مدفوعاً بالصناعات المتقدمة والابتكار ومنظومة تكنولوجية ذات قدرة تنافسية عالمية. في المقابل، لا يزال الفلسطينيون يواجهون اقتصاداً يقل فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي عن 3 آلاف دولار، مع استمرار معدلات البطالة المرتفعة، ومحدودية القدرة على تحقيق نمو مستدام في ظل قيود هيكلية وسياسية معقدة.

لكن جوهر الفجوة لا يكمن فقط في تفاوت الثروة، بل أيضاً في تفاوت القدرة على الإنتاج.

فعلى مدار عقود، عمل الاقتصاد الفلسطيني ضمن بيئة شديدة التعقيد فُرضت عليه بسبب سياسات وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي التي أعاقت قدرته على التطور الطبيعي. فسياسات الإغلاق والقيود الإسرائيلية الشديدة على الحركة لا تزال تُقيد التجارة والاستثمار وتنقل الأفراد والبضائع، فيما يستمر الانقسام الجغرافي والمؤسساتي بين الضفة الغربية وقطاع غزة في تفتيت الأسواق الفلسطينية وإضعاف تكاملها الاقتصادي. كما تبقى المناطق المصنفة "ج"، التي تضم مساحات واسعة من الأراضي والموارد الطبيعية، خارج أي قدرة فلسطينية فعلية على التنمية والاستثمار.

إلى جانب ذلك، ساهمت الاقتطاعات المتكررة لعائدات المقاصة الفلسطينية واحتجازها بصورة غير قانونية من قبل إسرائيل في تعميق الأزمة المالية وتقويض قدرة الحكومة الفلسطينية على التخطيط الاقتصادي طويل الأمد. والنتيجة كانت وما تزال اقتصاداً يميل بصورة متزايدة نحو الاستهلاك والاعتماد على المساعدات والتحويلات، بدلاً من اقتصاد قائم على الإنتاج وخلق القيمة المضافة.

ومن هنا، تبرز اليوم واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً أمام الفلسطينيين: كيف يمكن إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج؟

فالاقتصاد الإنتاجي لم يعد مجرد خيار تنموي، بل أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بتعزيز الصمود، وخلق فرص العمل، وتوسيع هامش الحرية الاقتصادية الفلسطينية.

لقد أثبتت الأزمات المتعاقبة أنه لا يمكن للاقتصاد الفلسطيني الاستمرار بالاعتماد على التوظيف الحكومي أو المساعدات الخارجية أو الأنشطة الخدمية منخفضة الإنتاجية كمحركات رئيسية للنمو. المطلوب اليوم هو توجيه التركيز نحو قطاعات قادرة على خلق قيمة حقيقية وبناء قاعدة إنتاجية أكثر صلابة واستدامة.

وعلى سبيل المثال، يبرز قطاع الصناعات الزراعية الغذائية كواحد من أهم هذه القطاعات. ففلسطين تمتلك إرثاً زراعياً عريقاً ومنتجات تتمتع بقدرة تنافسية عالية، مثل زيت الزيتون والتمور وغيرها من المنتجات الغذائية المختلفة. غير أن الفرصة الحقيقية تكمن في الانتقال نحو تطوير صناعات غذائية ذات قيمة مضافة أعلى تشمل التصنيع والتغليف والتصدير، بما يعزز فرص العمل والصمود الاقتصادي في المناطق الريفية والمهمشة.

كما تمتلك الصناعات التحويلية والخفيفة إمكانات مهمة لم تُستثمر بالشكل الكافي بعد. فعلى الرغم من كل القيود، فقد أثبتت الشركات الفلسطينية قدرتها التنافسية في قطاعات مثل الحجر والرخام، والأثاث، والمنسوجات، والأدوية، ودمغ الذهب والمعادن الثمينة، والصناعات الورقية. إن توسيع القاعدة الصناعية الفلسطينية وتحسين البنية التحتية وتسهيل الوصول إلى التمويل والأسواق يمكن أن يساهم في تقليل الاعتماد على الواردات وخلق فرص عمل مستدامة للفلسطينيين، خاصةً من فقدوا وظائفهم في إسرائيل منذ بداية الحرب على قطاع غزة في أواخر عام 2023.

أما قطاع التكنولوجيا، فقد يكون أحد أهم المسارات الواعدة أمام الاقتصاد الفلسطيني. فعلى عكس القطاعات التقليدية، تعتمد الصناعات الرقمية بصورة أكبر على رأس المال البشري والمعرفة بشكل قادر على تجاوز الجغرافيا والحدود. وقد أثبت الفلسطينيون خلال السنوات الماضية حضوراً لافتاً في مجالات البرمجة، والخدمات الرقمية، والتكنولوجيا المالية، وريادة الأعمال التكنولوجية. إلا أن تحويل هذا القطاع إلى محرك اقتصادي حقيقي يتطلب استثمارات أكبر، وتحديثاً تنظيمياً وتشريعياً مستمراً، وربطاً أعمق بالأسواق الإقليمية والعالمية.

صحيح أن التجربة الإسرائيلية في بناء اقتصاد الابتكار جاءت ضمن ظروف مختلفة جذرياً، إلا أن الدرس الأهم يبقى واضحاً: الاقتصادات القوية تُبنى عبر الإنتاج والمعرفة، لا عبر الاعتماد والهشاشة الاقتصادية.

غير أن هذا التحول لن يحدث تلقائياً.

فالمطلوب من الحكومة الفلسطينية الاستمرار في تطوير البيئة الداعمة للأعمال والاستثمار، وذلك من خلال تسريع وتيرة الإصلاحات التنظيمية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتحسين السياسات الاقتصادية الداعمة للقطاعات الإنتاجية. كما أن إدارة الاقتصاد الفلسطيني يجب أن تنتقل تدريجياً من عقلية إدارة الأزمات اليومية إلى بناء تنافسية اقتصادية طويلة الأمد.

وفي المقابل، يقع على عاتق القطاع الخاص الفلسطيني، محلياً وفي الشتات أيضاً، دور محوري في قيادة المرحلة المقبلة باعتباره المحرك الحقيقي للنمو الاقتصادي. فالفلسطينيون يمتلكون رأس مال وخبرات وشراكات واسعة، لكن التحدي الأبرز يكمن في كيفية توجيه هذه الموارد نحو استثمارات قادرة على خلق الوظائف وتعزيز الإنتاجية.

صحيح أن الطريق نحو اقتصاد فلسطيني أكثر إنتاجاً سيبقى محكوماً بقيود سياسية معقدة لا يمكن تجاهلها مرتبطة بشكل مباشر بسياسات الاحتلال الإسرائيلي القمعية، لكن تعزيز القدرة الإنتاجية لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة وطنية ترتبط مباشرة بالصمود والقدرة على امتلاك هامش أكبر من الاستقلال الاقتصادي في المستقبل.

وفي كثير من الجوانب، ما يزال الاقتصاد الفلسطيني يعيش ما وصفه ديكنز بـأسوأ الأزمنة. لكن السؤال الحقيقي اليوم هو: هل يستطيع الفلسطينيون البدء ببناء اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك، ويخلق قيمة حقيقية للأجيال القادمة؟

תגים

שתף את דעתך

الإنتاج كضرورة للصمود الاقتصادي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.