تكشف البطولات الكروية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، وجهاً مظلماً للانتماء الرياضي؛ حيث يمكن للشغف أن يتحول من مساحة للبهجة إلى أداة لإقصاء الآخر وتغذية خطاب الكراهية. ورغم أن المونديال يظهر كاحتفال كوني تتراجع فيه الحدود، إلا أن المنافسة تثير توترات تطفو على السطح في المدرجات والمنصات الرقمية، مستهدفة الهويات على أساس اللون أو الدين.
يفسر خبراء علم النفس هذه العداوة عبر 'نظرية التنافس الواقعي'، التي تشير إلى أن التنافس على مورد محدود، مثل الكأس أو التفوق الرمزي، يخلق عداءً بين المجموعات. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى المنافس كخصم رياضي فحسب، بل كتهديد مباشر لهوية الجماعة، مما يفتح الباب أمام تحيزات اجتماعية كامنة تتضخم مع مشاعر الإحباط والخسارة.
تضيف نظرية 'الهوية الاجتماعية' بعداً آخر، حيث يميل الأفراد فطرياً لرفع قيمة جماعتهم عبر الحط من قدر الآخرين لتعزيز تقدير الذات. ويصبح المنتخب الوطني في هذه الحالة جزءاً من تعريف الفرد لذاته، بحيث تُفسر الهزيمة الرياضية كإهانة شخصية أو جماعية تستوجب رد فعل عدائياً تجاه الطرف الآخر.
تشير تقارير دولية صادرة عن اليونسكو إلى أن العنصرية في الملاعب ليست ظاهرة طارئة، بل هي انعكاس لأزمات اجتماعية واقتصادية أوسع بدأت تتجلى بوضوح منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد تحول الملعب إلى مساحة لاستعراض توترات المجتمع، حيث يظل قبول اللاعب من أصول مهاجرة مشروطاً بتحقيقه للانتصارات فقط.
مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، شهد خطاب الكراهية تحولاً حاسماً، حيث وفرت هذه المنصات مساحة للتنمر العنصري بعيداً عن الرقابة المباشرة. وأفادت مصادر بأن الحسابات المجهولة تمنح المسيئين شعوراً زائفاً بالإفلات من العقاب، مما حول الغضب الفردي إلى موجات منظمة من الإساءة التي تستهدف كرامة اللاعبين.
كشفت بيانات خدمة حماية وسائل التواصل التابعة للفيفا عن أرقام صادمة خلال مونديال 2022، حيث تم رصد أكثر من 19 ألف منشور مسيء وتمييزي. وأظهرت التحليلات أن النسبة الأكبر من هذه الإساءات جاءت من حسابات في أوروبا وأمريكا الجنوبية، مما استدعى تدخلات تقنية لإخفاء مئات آلاف التعليقات قبل وصولها للاعبين.
في الدوري الإسباني، كشف مرصد مناهضة العنصرية عن واقع مقلق خلال موسم 2024-2025، حيث تم رصد أكثر من 33 ألف منشور عدائي. وتصدر اللاعب الشاب لامين يامال قائمة المستهدفين بنسبة 60% من رسائل الكراهية، يليه البرازيلي فينيسيوس جونيور، مما يعكس تركز الهجمات على نجوم بارزين بعينهم.
اللاعب صاحب الأصول المهاجرة قد يُحتفى به عندما يسجل ويمنح الجماعة لحظة انتصار، ثم يُنبذ بعنف عند الخسارة، كما لو أن انتماءه يبقى مشروطاً بالأداء.
لم تقتصر الإساءات في إسبانيا على الفضاء الرقمي، بل امتدت للمدرجات بتسجيل مئات الشكاوى المتعلقة بهتافات عنصرية ومسيئة. وتصدرت جماهير أندية معينة قائمة الشكاوى، بينما استجاب فيسبوك لإزالة جزء كبير من المحتوى المحرض على العنف، مما يبرز الحاجة لتشديد الرقابة الميدانية والافتراضية معاً.
تاريخياً، كانت كرة القدم شرارة لصراعات سياسية دموية، كما حدث في 'حرب المئة ساعة' بين السلفادور وهندوراس عام 1969. ورغم أن جذور الصراع كانت سياسية واقتصادية، إلا أن مباريات تصفيات كأس العالم كانت المحفز الذي فجر الأزمة وأدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية واندلاع مواجهات عسكرية راح ضحيتها الآلاف.
في فرنسا، قدم مونديال 1998 نموذجاً للمنتخب المتنوع، لكن السنوات اللاحقة أثبتت هشاشة هذه السردية أمام اختبارات الانتماء المتكررة. فاللاعبون من أصول مهاجرة يظلون عرضة للتشكيك في ولائهم عند كل إخفاق رياضي، مما يؤكد أن الرياضة وحدها لا تكفي لمعالجة البنى العميقة للتمييز في المجتمعات.
تظل واقعة 'نطحة زيدان' في نهائي مونديال 2006 رمزاً عالمياً لعلاقة الإهانة بالهوية والكرامة داخل المستطيل الأخضر. ورغم تباين الروايات حول طبيعة الإساءة التي وجهها ماتيرازي، إلا أن الحادثة فتحت نقاشاً دولياً واسعاً حول الحدود الأخلاقية للمنافسة وكيف يمكن لعبارة عابرة أن تنهي مسيرة أسطورية.
خلال منافسات مونديال 2026، برزت واقعة تعرض صانعة محتوى كورية لإيماءة عنصرية في المكسيك، وهو ما واجهه الفيفا بصرامة عبر حظر المتورط. هذه المبادرة المؤسسية تهدف لإرسال رسائل قوية ضد الكراهية، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الملاعب لا تزال عرضة لسلوكيات فردية مسيئة رغم كل التدابير الأمنية.
يعتمد الفيفا حالياً على تقنيات الذكاء الاصطناعي والرصد البشري لحماية اللاعبين والمسؤولين من التنمر الرقمي المتزايد. وتهدف هذه الخدمات إلى حجب ملايين التعليقات المسيئة، في محاولة للسيطرة على 'السمّية' التي تنتشر عبر المنصات وتؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية للرياضيين وعائلاتهم.
في الختام، تملك كرة القدم قدرة مزدوجة على الجمع أو التفرقة، والحل يكمن في إعادة تعريف الشغف الرياضي بعيداً عن منطق الإقصاء. إن مواجهة الكراهية تتطلب تكاتف المؤسسات الرياضية والمنصات الرقمية والجماهير، لضمان بقاء اللعبة مساحة للفرح الإنساني المشترك، لا ساحة لتصفية الحسابات العرقية والهوياتية.





שתף את דעתך
خطاب الكراهية في الملاعب: حين يتحول الشغف الرياضي إلى سلاح للإقصاء