يستعد المفاوضون من الولايات المتحدة وإيران للدخول في مرحلة حاسمة من المباحثات، محملين بإرث ثقيل من الخلافات التي قد تعصف بالجهود الرامية لإرساء سلام شامل. ورغم التفاؤل الحذر بحدوث انفراجة، يبدي مراقبون شكوكاً واسعة في إمكانية حسم كافة الملفات العالقة خلال مهلة الستين يوماً التي حددتها مذكرة التفاهم الموقعة بين الرئيس دونالد ترامب والقيادة الإيرانية.
تعد قضية البرنامج النووي الإيراني حجر الزاوية في هذه المفاوضات، حيث يصر ترامب على ضمانات تمنع طهران من حيازة سلاح نووي بشكل قطعي. وتبرز نقطة الخلاف الجوهرية حول كيفية التعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إذ تطالب واشنطن بتدميره أو شحنه للخارج، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً حتى الآن.
إلى جانب المخزون، يظل حق إيران في تخصيب اليورانيوم مستقبلاً نقطة تصادم رئيسية، حيث ترفض طهران التنازل عن هذا الحق الذي تصفه بالسيادي. وقد أفادت مصادر بأن النقاشات السابقة تطرقت لفرض وقف مؤقت للتخصيب لسنوات طويلة، إلا أن الفجوة بين مطالب الطرفين لا تزال واسعة جداً وتفتقر لأرضية مشتركة.
يمثل مضيق هرمز تحدياً استراتيجياً آخر، خاصة بعد الصدمة التي تعرضت لها إمدادات الطاقة العالمية إثر توقف حركة المرور فيه عقب الهجمات المتبادلة في فبراير الماضي. وبينما تنص المذكرة على إعادة فتح الممر المائي، تصر إيران على الاحتفاظ بدور قيادي في إدارته، وهو ما يثير حذر شركات الشحن والمجتمع الدولي.
في الملف الاقتصادي، تضغط طهران من أجل رفع فوري وشامل للعقوبات الأمريكية والوصول إلى أصولها المالية المجمدة في الخارج لإنعاش اقتصادها المنهك. في المقابل، تتمسك الإدارة الأمريكية بمبدأ التخفيف التدريجي المرتبط بخطوات ملموسة تثبت امتثال إيران الكامل لبنود الاتفاق النهائي المنتظر.
لقد أثار منح إيران إعفاءات فورية لبيع النفط بموجب المذكرة الحالية موجة انتقادات من قبل المتشددين في واشنطن، الذين اعتبروا الخطوة تنازلاً مجانياً. ويرى محللون أن ترامب قد يواجه ضغوطاً داخلية تمنعه من تقديم المزيد من التسهيلات المالية قبل الحصول على مكاسب سياسية وأمنية واضحة.
لا يمكن إغفال الدور الإسرائيلي في تعقيد المشهد، حيث يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التأكيد على أن تل أبيب غير ملزمة بأي تفاهمات لا تضمن أمنها المباشر. وتخشى أطراف عديدة من أن يؤدي أي تصعيد عسكري في الجبهة اللبنانية إلى انهيار طاولة المفاوضات في جنيف أو أي مكان آخر تُعقد فيه.
ترامب يريد نتائج سريعة بينما تفضل إيران المفاوضات المطولة، وهذا التباين قد يهدد فرص النجاح.
تتطلب المفاوضات أيضاً مواءمة بين أساليب تفاوضية متناقضة تماماً، حيث يميل ترامب وفريقه، الذي يضم كوشنر وفانس، إلى إبرام صفقات سريعة وخاطفة. وفي المقابل، يشتهر المفاوضون الإيرانيون بنفسهم الطويل وقدرتهم على إطالة أمد المباحثات لسنوات، كما حدث في اتفاق عام 2015 الذي استغرق عامين من العمل الشاق.
يواجه الفريق الأمريكي تحدياً إضافياً يتمثل في نقص الخبرة الفنية العميقة مقارنة بالمفاوضين الإيرانيين المخضرمين الذين خاضوا جولات عديدة مع إدارات سابقة. هذا التباين قد يجعل من مهلة الشهرين فترة غير كافية لصياغة بنود تقنية معقدة تتعلق بأجهزة الطرد المركزي ومستويات التفتيش الدولي المطلوبة.
تلقي أزمة الثقة بظلالها القاتمة على الحوار، خاصة وأن إيران تنظر بريبة لترامب الذي سبق وانسحب من الاتفاق النووي وشن هجمات عسكرية مباشرة عليها. كما أن صعود مجتبى خامنئي كزعيم جديد يتسم بالتشدد يزيد من صعوبة تقديم تنازلات إيرانية جوهرية في ملفات تعتبرها طهران خطوطاً حمراء.
تضغط العوامل الداخلية على الطرفين لإنهاء الصراع، فترامب يسعى لخفض أسعار الوقود وتجنب حروب مكلفة، بينما تعاني إيران من تبعات الضربات العسكرية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذه الضغوط قد لا تكون كافية وحدها لتجاوز عقود من العداء المتبادل والمصالح المتضاربة في المنطقة.
هناك مخاوف من أن تؤدي التفسيرات المتضاربة لمذكرة التفاهم الحالية إلى خلق توقعات غير واقعية لدى الطرفين، مما يمهد الطريق للفشل عند الدخول في التفاصيل. وإذا ما شعر أي طرف بأن الطرف الآخر يماطل أو يحاول كسب الوقت، فإن خيار العودة إلى التصعيد العسكري سيظل قائماً وبقوة.
قد يجد ترامب نفسه مضطراً للرضوخ لضغوط الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري الذي يرفض أي تقارب مع طهران لا يتضمن تفكيكاً كاملاً لقدراتها العسكرية. وفي الوقت ذاته، يواجه المفاوض الإيراني ضغوطاً مماثلة من الحرس الثوري والقوى الرافضة لأي تراجع أمام ما يصفونه بـ 'الاستكبار العالمي'.
في نهاية المطاف، يبقى الاحتمال القائم هو التوصل إلى اتفاق محدود يمدد حالة التهدئة دون حل القضايا الجوهرية، أو الدخول في دوامة جديدة من المفاوضات المفتوحة. إن نجاح هذه المرحلة يعتمد كلياً على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات مؤلمة، وهو أمر لا يبدو سهلاً في ظل الظروف السياسية الراهنة.





שתף את דעתך
عقبات شائكة تواجه مفاوضات واشنطن وطهران: هل تنجح مهلة الستين يوماً؟