ד 17 יונ 2026 3:37 am - שעון ירושלים

جنرالات الشاشة ووهم العبقرية: نقد التفكير الإستراتيجي بأثر رجعي

تبرز إشكالية كبرى في كيفية توثيق الحقائق العسكرية، حيث كان المؤرخ صموئيل مارشال يحرص على استجواب الجنود وهم لا يزالون في خنادقهم لمنع 'فلترة' الروايات. هذا الأسلوب الجماعي الفوري كان يهدف للوصول إلى الحقيقة الطازجة قبل أن تتحول إلى روايات رسمية منمقة تخدم أهدافاً سياسية أو دعائية. اليوم، نجد أن وسائل الإعلام تميل إلى تحويل المفاهيم الرصينة إلى رموز فارغة يتم تعبئتها وفقاً للنتائج النهائية للمعركة.

أصبحت كلمة 'إستراتيجية' تُستخدم مؤخراً كتعليق على الأحداث بدلاً من كونها أداة استشرافية، حيث يُربط النجاح دائماً بوجود رؤية والفشل بغيابها. هذا النوع من الأحكام يفتقر إلى الموضوعية لأنه يتجاهل الظروف المعقدة التي اتُخذ فيها القرار. إن تقييم أي خطة يجب أن ينطلق من 'منطق الاختيار' في لحظة الصفر، وليس بناءً على ما آلت إليه الأمور في نهاية المطاف.

يرى عالم السياسة ريتشارد بيتس أننا غالباً ما نقع في فخ الحكم بأثر رجعي، بينما يتخذ صانع القرار خطواته وسط ضبابية تامة. قد يكون القرار حكيماً بمعايير اللحظة لكن نتائجه كارثية بسبب عوامل خارجة عن السيطرة، والعكس صحيح تماماً. لذا، فإن وصف القائد بالعبقرية أو الغباء بناءً على النتيجة فقط هو نوع من المكافأة للمحظوظين ومعاقبة لسيئي الحظ.

في التاريخ العسكري، يُعتبر قرار ونستون تشرشل بمواصلة القتال ضد ألمانيا عام 1940 قمة العبقرية، رغم أنه استند إلى تقديرات خاطئة. فقد بالغت القيادة البريطانية حينها في تقدير سرعة التدخل الأمريكي، ولم تتوقع توقيت الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي بدقة. ومع ذلك، فإن صمود تشرشل هو الذي أتاح للمتغيرات القدرية أن تعمل لصالحه في نهاية المطاف.

يختلف المنطق الإستراتيجي عن المنطق الخطي المدرسي الذي يفترض أن النتائج تأتي دائماً كمحصلة لمقدمات مرتبة. في عالم الصراع، قد يكون 'الطريق السيئ' هو الخيار الأفضل لأنه يحقق عنصر المفاجأة الذي يربك حسابات العدو. إن تحقيق المفاجأة القصوى يتطلب أحياناً التضحية بالاستعداد المثالي أو التنسيق الكامل، وهو ما يراه المعلقون لاحقاً كقصور في التخطيط.

فشل عملية 'مخلب النسر' الأمريكية في إيران عام 1980 يوضح هذا التناقض، حيث منعت الإجراءات الأمنية المشددة الوحدات من التدرب معاً. لو نجحت العملية لقال الخبراء إن السرية كانت مفتاح النصر، لكن الفشل جعلهم ينتقدون غياب التنسيق. هذا يثبت أن الإستراتيجية ليست معادلة رياضية ثابتة، بل هي موازنة مستمرة بين مخاطر الفشل وفرص النجاح.

معركة كورسك في الحرب العالمية الثانية تقدم درساً آخر حول خطورة 'المنطق السليم' الزائد عن الحد، حيث تريث الألمان لجمع قوة أكبر. هذا الانتظار منح السوفيت وقتاً كافياً لبناء دفاعات حصينة وحقول ألغام أدت في النهاية إلى هزيمة ألمانيا. هنا نجد أن مراكمة القوة، التي تبدو فعلاً عقلانياً، كانت هي السبب المباشر في خسارة الميزة الإستراتيجية.

يؤكد الجنرال كارل فون كلاوزفيتز أن 'الاحتكاك' هو العنصر الذي يجعل أبسط الأمور في الحرب غاية في الصعوبة. يقصد بالاحتكاك تلك التفاصيل غير المتوقعة مثل تغير الطقس أو تعطل الآليات التي تترصد الخطط البشرية. هذه العوامل تجعل من المستحيل التنبؤ بالنتائج بيقين كامل، مهما بلغت دقة التخطيط المسبق أو جودة المعلومات المتوفرة.

هناك فرق جوهري بين التخطيط وصنع الإستراتيجية؛ فالأول عملية تحليلية تفكيكية، بينما الثانية عملية تركيبية إبداعية. الخطط الضخمة المليئة بالجداول والرسوم البيانية قد تنهار عند أول هزة حقيقية في الميدان إذا افتقرت للرؤية. الإستراتيجية الحقيقية تشبه عمل الطاهي المحترف الذي يبتكر النكهات بخبرته وحسه، لا بمجرد قراءة المكونات الكيميائية.

تجارب الأسواق العالمية تتقاطع مع علوم الحرب في ضرورة الاعتماد على 'أفراد الميدان' لاستقاء الأفكار البازغة. الجنود في الصفوف الأمامية هم الأكثر احتكاكاً بالواقع والأقدر على رصد المتغيرات التي قد تغيب عن غرف العمليات البعيدة. المرونة العالية والقدرة على التكيف السريع مع الاضطرابات هي ما يميز الإستراتيجية الناجحة عن الخطط الورقية الجامدة.

استبعد عالم الرياضيات جون فون نيومان لعبة الشطرنج كنموذج لمحاكاة الحروب، مفضلاً لعبة البوكر كاستعارة أدق. فالشطرنج تقوم على معلومات كاملة، بينما البوكر تجسد واقع الحرب المحجوب بضبابية المعلومات وتدخل عنصر الحظ. هذا الاعتراف بوجود 'الغيب' واللامتوقع هو جوهر التواضع الإستراتيجي الذي يجب أن يتحلى به القادة والمعلقون على حد سواء.

يعرّف السير لورانس فريدمان الإستراتيجية بأنها فن 'بناء المعنى' في عالم مضطرب، حيث تمنح الأفراد قصة مشتركة تحفزهم على التضحية. الهدف ليس التنبؤ الدقيق بالمستقبل، بل خلق سردية مقنعة تجمع الحلفاء والمرؤوسين نحو هدف واحد. الإستراتيجية بهذا المعنى هي وسيلة لتعبئة الموارد وتحويل الرؤية المستقبلية إلى واقع ملموس رغم كل العوائق.

المقامر يراهن على النتيجة النهائية، أما الإستراتيجي الحقيقي فهو يراهن على 'العملية' وقدرتها على الصمود والاستمرار. الفرق يكمن في بناء هيكل مرن يتيح استثمار الحظ حين يأتي، والتعامل مع الخسائر حين تقع. المغامرة تصبح خياراً عقلانياً جداً عندما يكون البديل هو الفناء المحقق للمشروع السياسي أو الوجودي للجماعة.

في الختام، يظل الصمود هو الإستراتيجية الأعمق التي تفتح الباب أمام 'لطف القدر' والمفاجآت المبهجة التي قد تغير مجرى التاريخ. إن الإقبال على الصراع يجب أن يكون بوعي تام بحدود القدرة البشرية وإحاطة الغيب بها. النصر في النهاية هو تفاعل غامض بين نفوس مستعدة وعالم مليء بالمتغيرات التي تعجز الحسابات المادية وحدها عن تفسيرها.

תגים

שתף את דעתך

جنرالات الشاشة ووهم العبقرية: نقد التفكير الإستراتيجي بأثر رجعي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.