ג 16 יונ 2026 11:08 am - שעון ירושלים

الإيمان بالقدر وفقه السنن.. قراءة في مشروع علي الصلابي النهضوي

يعد الإيمان بالقدر أحد أعظم أركان العقيدة الإسلامية وأعمقها أثراً في بناء شخصية المسلم وتشكيل رؤيته للكون والحياة. وقد ظل هذا الركن عبر التاريخ ميداناً لجدل واسع بين الفرق الكلامية والمدارس الفلسفية، مما أدى لغلبة الطابع النظري على المقصد الإيماني والتربوي الأصيل.

يأتي كتاب 'الإيمان بالقدر' للدكتور علي محمد الصلابي ليعيد هذا الركن إلى منبعه الأول، متحرراً من التعقيدات التي فرضتها المدارس الكلامية القديمة. ويسعى المؤلف من خلال هذا العمل إلى ربط القدر بوظيفته الأصلية في صناعة اليقين والسكينة، وتحويله إلى حافز للعمل والنهوض بدلاً من كونه مسبباً للجمود.

يرصد الصلابي المسار التاريخي لمسألة القضاء والقدر، موضحاً أن الصحابة فهموا هذا الركن فهماً فطرياً يجمع بين التوكل والعمل. ويرى أن الخلل بدأ مع دخول الفلسفة اليونانية ونشوء مدارس كالمعتزلة التي وسعت الاختيار الإنساني، والجبرية التي نفته تماماً، مما أربك مفهوم المسؤولية.

يستحضر الكتاب شهادات تاريخية لافتة لكبار أئمة علم الكلام الذين اعترفوا في نهاية حياتهم بقصور مناهجهم العقلية المحضة. فالإمام الجويني والفخر الرازي أكدا أن أقرب الطرق للحق هي طريقة القرآن الكريم، التي تجمع بين إثبات القدر وإثبات المسؤولية الإنسانية دون تكلف منطقي.

يؤكد المنهج الذي يطرحه الصلابي أن الإيمان بالقدر هو امتداد طبيعي للإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، خاصة العلم والقدرة والحكمة. فالمسلم الذي يؤمن بإحاطة علم الله وتدبيره للكون، يكتمل توحيده ويتحرر من الخوف والقلق تجاه المستقبل والمجهول.

يشرح الكتاب مراتب القدر الأربع وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق، معتبراً إياها ركائز متلازمة تُعمق صلة العبد بربه. وهذه المراتب تقطع جذور الشرك، إذ تؤكد أن الله هو الخالق الوحيد لكل شيء، بما في ذلك أفعال العباد التي تقع بمشيئته واختيارهم.

يستثمر الصلابي القصص القرآني كأداة تربوية لفهم كيفية عمل القدر في حياة البشر، مستشهداً بسيرة النبي يوسف عليه السلام. فالمحن التي تعرض لها يوسف من الجب إلى السجن كانت في جوهرها منحاً إلهية رسمت طريق المجد، مع تأكيده على أخذه بالأسباب في كل مرحلة.

وفي قصة موسى عليه السلام، يبرز الكتاب كيف يصنع القدر الأحداث العظام من أسباب تبدو صغيرة أو حتى مخيفة في ظاهرها. فأمر الله لأم موسى بإلقائه في اليم يمثل أعلى صور الجمع بين الفعل الإيجابي والتوكل المطلق على وعد الله وحفظه.

يشخص المؤلف انحرافين تاريخيين أضرا بالأمة؛ الأول هو التواكل والاحتجاج بالقدر لترك العمل، والثاني هو الاغترار بالأسباب والغفلة عن المسبب. وكلا الانحرافين يمثلان إفساداً لمفهوم التوحيد، حيث يلغي الأول سنن الله الكونية، بينما يشرك الثاني الأسباب مع الخالق.

يقدم الكتاب نموذج 'ذي القرنين' كقائد فريد جمع بين التوكل المطلق والاستثمار الكامل للموارد المتاحة من حديد ونحاس وتنظيم. وهذا النموذج يثبت أن التوحيد يسبق الأخذ بالأسباب، وأن النجاح في النهاية هو رحمة من الله وليس مجرد نتاج للجهد البشري.

يعالج الصلابي إشكالية الهداية والضلال، مؤكداً أن الله أقام الحجة البالغة على خلقه بإرسال الرسل وإنزال الكتب وفطر الناس على الحق. فالإنسان يولد مستعداً للقبول، وقدر الله في هدايته أو ضلاله يتفاعل مع اختياره الشخصي وسعيه في تزكية نفسه أو تدسيتها.

يتطرق الكتاب لمسألة الشر، موضحاً أن الشر المطلق لا وجود له في خلق الله، بل هو شر نسبي ناتج عن فساد الإنسان وظلمه. ويؤكد أن الإيمان بحكمة الله يثمر حسن الظن به، وهي عبادة تجعل المؤمن يرى في البلاء فرصة للتطهير والارتقاء.

يربط المؤلف بين الإيمان بالقدر وفقه السنن الكونية والتاريخية، معتبراً إياها مفتاح النهضة الحضارية للأمم. فالأمة التي لا تغير ما بنفسها من قيم وعزم لن تتغير أحوالها، والنهضة الغربية قامت حين طبقت جزءاً من سنن الله في العلم والنظام والعمل.

في الختام، يقدم كتاب الصلابي معادلة رباعية للنهوض: التسليم في الغيبيات، الثقة في المحن، الأخذ بالأسباب في الممكنات، وفقه السنن في الإصلاح. إنها رؤية تحول الإيمان بالقدر إلى سلاح للشجاع الذي يمضي في طريقه بيقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.

תגים

שתף את דעתך

الإيمان بالقدر وفقه السنن.. قراءة في مشروع علي الصلابي النهضوي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.