لم تعد كرة القدم مجرد منافسة رياضية داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى مرآة تعكس الصراعات السياسية وتوازنات القوى العالمية. ومع انطلاق النسخة الأمريكية من كأس العالم 2026، تبرز تساؤلات عميقة حول قدرة الرياضة على البقاء كمساحة محايدة بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية.
تشهد الأسابيع الأولى من البطولة جدلاً واسعاً يتعلق بصعوبات الحصول على التأشيرات، خاصة للوفود القادمة من القارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط. هذه الإجراءات، التي تبررها السلطات الأمريكية بدواعي الأمن القومي، خلقت انطباعاً بأن المعايير السياسية باتت تسبق الروح الرياضية.
إن فكرة المونديال تقوم في جوهرها على كسر الحدود وتعزيز التواصل الإنساني بين مختلف الأعراق والثقافات. لكن عندما يهيمن الحديث عن القيود الحدودية والجوازات على أجواء المباريات، فإن الرسالة الجوهرية للحدث العالمي تتعرض للاهتزاز والتشويه.
لا يمكن الجزم بوجود سياسة عنصرية ممنهجة، إلا أن التفاوت في المعاملة بين الجنسيات المختلفة أثار استياءً دولياً واسعاً. فالانطباعات التي تخلفها هذه العراقيل تؤثر بشكل مباشر على صورة الولايات المتحدة التي طالما قدمت نفسها كنموذج للتعددية والانفتاح.
في المقابل، يستحضر الكثيرون تجربة قطر 2022 التي نجحت في تقديم سردية حضارية مختلفة رغم الحملات الإعلامية التي سبقتها. فقد استطاعت الدوحة خلق فضاء عربي وإسلامي سمح لملايين الزوار باكتشاف قيم التعايش دون الحاجة للذوبان الثقافي.
لقد أثبتت النسخة القطرية أن النجاح لا يقتصر على الجوانب التنظيمية فحسب، بل يمتد لكسر احتكار السردية الغربية حول مفهوم العالمية. وقدمت نموذجاً يؤكد أن العالم يمكنه الالتقاء والاحتفال بعيداً عن المركزية الثقافية المعتادة في العواصم الكبرى.
أما في النسخة الحالية، فإن التحدي لا يكمن في جودة الملاعب أو البنية التحتية المتطورة التي تمتلكها الولايات المتحدة. السؤال الجوهري يتعلق بمدى قدرة القوة العظمى على عزل صراعاتها الداخلية والخارجية عن أجواء البطولة العالمية.
القوة الحقيقية في عصرنا لم تعد مجرد قدرة على التنظيم، بل قدرة على الإقناع وجعل الضيف يشعر بأنه مرحب به مهما كان دينه أو لونه.
تجسد حالة المنتخب الإيراني هذا التداخل المعقد بين الرياضة والسياسة، حيث شارك الفريق في ظل أجواء إقليمية ودولية بالغة التعقيد. وقد تحولت كل حركة أو رمز يصدر عن البعثة الإيرانية إلى مادة دسمة للنقاش السياسي والإعلامي المكثف.
عندما رفع اللاعبون الإيرانيون رموزاً تشير إلى ضحايا الحرب، كانت تلك صرخة إنسانية تجاوزت حدود اللعبة لتصل إلى ضمير العالم. هذا الموقف يعيد التأكيد على أن كرة القدم ليست جزيرة معزولة، بل هي امتداد طبيعي للواقع السياسي المعاش.
ورغم محاولات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) المستمرة لرفع شعار 'لا للسياسة في الرياضة'، إلا أن الواقع يثبت استحالة هذا الفصل. فكيف يمكن عزل السياسة عن حدث تعتمد فيه مشاركة اللاعبين والمشجعين على قرارات سيادية تتعلق بالتأشيرات والحدود؟
إن ما يمر به المونديال اليوم هو انعكاس لتحولات كبرى في النظام الدولي الذي بدأ يعود للغة الهويات والانقسامات الجيوسياسية. وكأس العالم، بصفته الحدث الأكثر متابعة، أصبح المسرح المثالي الذي تظهر عليه هذه التناقضات الصارخة بوضوح.
تؤكد المقارنة بين النسختين القطرية والأمريكية أن القوة المادية والتقنيات الهائلة لا تكفي وحدها لصناعة صورة إيجابية للدول. فالإحساس بالتمييز أو الإقصاء كفيل بأن يطغى على أي نجاح تنظيمي مهما بلغت ضخامته وجودته.
القوة الحقيقية في العصر الحديث تكمن في القدرة على الإقناع وجعل الضيف يشعر بالترحيب بغض النظر عن خلفيته السياسية أو العرقية. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تواجهه الولايات المتحدة في تنظيمها لهذه النسخة من البطولة العالمية.
يبقى السؤال معلقاً حول الصورة النهائية التي ستنطبع في ذاكرة الشعوب بعد انتصاف البطولة ونهايتها. فهل ستكون قصة عن الاحتفال بالرياضة، أم ستظل ذكرى لبطولة طغت عليها نقاشات الحدود والاستقطاب السياسي الحاد؟





שתף את דעתך
كأس العالم 2026: هل تغلبت السياسة والحدود على روح الرياضة في النسخة الأمريكية؟