تتصاعد حدة التوترات الرياضية والسياسية مع اقتراب انطلاق منافسات كأس العالم 2026، وذلك على خلفية أزمة دبلوماسية وتنظيمية فجرها منع السلطات الأمريكية للحكم الدولي الصومالي عمر عرتن من دخول أراضيها. وتأتي هذه الواقعة لتضع التعهدات التي قدمتها الدول المضيفة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على المحك، خاصة فيما يتعلق بتسهيل وصول الوفود الرسمية.
دخل جوزيف بلاتر، الرئيس السابق للفيفا، على خط الأزمة موجهاً انتقادات لاذعة للإدارة الحالية برئاسة جياني إنفانتينو وللحكومة الأمريكية. واعتبر بلاتر في تصريحات صحفية أن ما حدث يمثل خرقاً صريحاً للمبادئ الأساسية التي تحكم استضافة البطولات الكبرى، مشدداً على أن ضمان دخول المسؤولين المعتمدين هو التزام جوهري لا يقبل القسمة.
وأوضح بلاتر في حديثه لصحيفة 'ليكيب' الفرنسية أن أي دولة تعجز عن تأمين دخول الحكام المعتمدين لا تستحق في الأصل نيل شرف تنظيم البطولة. وأشار إلى أن الحكام يمثلون ركيزة أساسية في المنظومة الكروية، ومنعهم لأسباب سياسية أو أمنية غير مبررة يضرب مصداقية الاتحاد الدولي في مقتل ويقوض استقلاليته المفترضة.
الحادثة تعود إلى وصول الحكم الصومالي عمر عرتن إلى مطار ميامي، حيث خضع لاستجواب مكثف من قبل أجهزة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية استمر لعدة ساعات. ورغم حيازته لكافة الوثائق الرسمية واعتماده ضمن قائمة الحكام السبعة المختارين من القارة الأفريقية، إلا أن السلطات قررت ترحيله فوراً على متن رحلة متجهة إلى إسطنبول.
ربط مراقبون هذه الإجراءات بتشديد سياسات الهجرة في الولايات المتحدة، خاصة مع العودة المرتقبة للإدارة الجمهورية وتطبيق معايير صارمة تجاه مواطني دول معينة. وتثير هذه السياسات مخاوف واسعة حول قدرة المشجعين والمسؤولين من مختلف الجنسيات على حضور النسخة الأكبر في تاريخ المونديال دون عوائق بيروقراطية.
ولم تقتصر انتقادات بلاتر على الجانب الأمريكي، بل شملت خليفته إنفانتينو، حيث اتهمه بالضعف في الدفاع عن حقوق أعضاء المنظومة الكروية. وألمح بلاتر إلى أن العلاقات الشخصية والسياسية بين إنفانتينو والقيادة الأمريكية قد تكون غلبت على المصلحة الرياضية العليا، مما أدى إلى صمت الفيفا تجاه هذه السابقة الخطيرة.
من الناحية الفنية، تعد نسخة 2026 تاريخية بكل المقاييس، حيث ستشهد لأول مرة مشاركة 48 منتخباً بدلاً من 32، وتوزع المباريات على 16 مدينة في ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ومن المتوقع أن يصل إجمالي المباريات إلى 104 مباريات، مما يتطلب طواقم تحكيمية ضخمة وتنسيقاً أمنياً ولوجستياً غير مسبوق.
من غير المعقول أن تمنع دولة مستضيفة لكأس العالم دخول حكم دولي معتمد من الفيفا، وهذا يطرح مشكلة خطيرة تتعلق بقدرتها على التنظيم.
وتشير التقارير إلى أن البطولة ستشهد حضوراً عربياً قوياً، مع توقعات بمشاركة ثمانية منتخبات عربية من قارتي آسيا وأفريقيا. كما ستسجل منتخبات مثل الأردن وأوزبكستان حضورها التاريخي الأول في المحفل العالمي، مما يزيد من أهمية توفير بيئة عادلة وشاملة لجميع المشاركين بعيداً عن التمييز العرقي أو القومي.
في سياق متصل، تبرز المكسيك كأول دولة في التاريخ تستضيف المونديال للمرة الثالثة، بينما تستعد كندا لتدشين تجربتها الأولى في الاستضافة. ومن المقرر أن تعيد المباراة الافتتاحية ذكريات مونديال 2010، حيث ستجمع بين المنتخب المكسيكي ونظيره لجنوب أفريقيا، في احتفالية كروية كبرى ينتظرها الملايين.
وعلى صعيد القوانين، يعتزم الفيفا تطبيق تعديلات جديدة تهدف لتقليص الوقت الضائع وتوسيع صلاحيات تقنية الفيديو (VAR) لضمان عدالة أكبر. إلا أن أزمة الحكم عرتن ألقت بظلالها على هذه الاستعدادات التقنية، حيث يرى خبراء أن العدالة في الملعب تبدأ من العدالة في إجراءات الوصول والمشاركة لجميع الكوادر المعتمدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه القطاع الرياضي الفلسطيني من خسائر فادحة، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد 1007 رياضيين فلسطينيين وتدمير واسع للمنشآت الرياضية في قطاع غزة. هذه الأوضاع تزيد من الضغوط على المؤسسات الرياضية الدولية للقيام بدورها في حماية الرياضيين وضمان حقوقهم في ظل النزاعات السياسية.
انتقد بلاتر أيضاً صمت الاتحادات القارية والوطنية، معتبراً أن عدم اتخاذ موقف جماعي قوي تجاه منع الحكم الصومالي سيجعل من هذه الحادثة سابقة قد تتكرر في بطولات مستقبلية. وأكد أن كرة القدم يجب أن تظل جسراً للتواصل بين الشعوب، لا أداة لتنفيذ أجندات سياسية ضيقة تفرق بين الرياضيين بناءً على جوازات سفرهم.
تتجه الأنظار الآن نحو رد الفعل الرسمي من الفيفا، وما إذا كانت هناك ضغوط ستمارس على واشنطن لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث مع انطلاق البطولة فعلياً. فالتحدي التنظيمي لا يقتصر على الملاعب والفنادق، بل يمتد ليشمل السيادة القانونية ومدى توافقها مع الروح الأولمبية والرياضية العالمية التي ينادي بها الاتحاد الدولي.
ختاماً، تبقى قضية عمر عرتن رمزاً للصراع القائم بين متطلبات الأمن القومي للدول الكبرى وبين عالمية الرياضة. ومع اقتراب موعد الصافرة الأولى في الملاعب الأمريكية الشمالية، يظل السؤال قائماً حول قدرة 'إنفانتينو' على ترميم صورة الفيفا وضمان مشاركة الجميع دون استثناء في هذا العرس الكروي العالمي.





שתף את דעתך
أزمة الحكم الصومالي تشعل الخلاف بين بلاتر وإنفانتينو قبيل مونديال 2026