د. إبراهيم نعيرات
بعد أكثر من قرن من الصراع، لم يعد الفلسطينيون والإسرائيليون مجرد خصمين يتواجهان على الأرض نفسها، بل أصبحوا شعبين عالقين في معضلة تاريخية وسياسية تبدو عصية على الحل. فكل طرف يحمل روايته الخاصة وآلامه ومخاوفه وتطلعاته الوطنية، لكن أياً منهما لم ينجح في الوصول إلى حالة مستقرة من الأمن أو العدالة أو السلام.
الفلسطينيون ما زالوا يواجهون أسئلة الدولة والسيادة والحقوق الوطنية، بينما يعيش الإسرائيليون في ظل قلق أمني وسياسي مستمر رغم ما تمتلكه دولتهم من تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي. وعلى الرغم من اختلاف أوضاع الطرفين واختلال ميزان القوة بينهما، فإن النتيجة النهائية تكشف مفارقة لافتة: لا يوجد طرف يشعر بأنه وصل إلى نهاية الصراع أو حقق استقراراً دائماً.
من أكثر الأفكار تضليلاً في هذا النزاع الاعتقاد بأن أحد الطرفين حسم المعركة نهائياً. فهناك من الإسرائيليين من ينظر إلى التفوق العسكري والاقتصادي والعلاقات الدولية الواسعة بوصفها دليلاً على انتصار تاريخي تحقق بالفعل، وأن الزمن يعمل لمصلحتهم. وفي المقابل، هناك من الفلسطينيين من ينظر إلى طول أمد الصراع واختلال موازين القوة بوصفه دليلاً على أن القضية الفلسطينية خسرت أو أن نهايتها أصبحت مسألة وقت. غير أن الواقع يكذب الفكرتين معاً.
فلو كان التفوق الإسرائيلي كافياً لحسم الصراع، لكان النزاع قد انتهى منذ عقود. ولو كانت القضية الفلسطينية قد هُزمت فعلاً، لما بقيت حاضرة بهذا الزخم في السياسة الإقليمية والدولية، ولما استمرت في التأثير في حسابات المنطقة والعالم. إن مجرد استمرار الصراع بعد كل هذه السنوات يشير إلى حقيقة مختلفة: لا يوجد انتصار كامل، ولا توجد هزيمة كاملة.
لقد أدى طول أمد النزاع إلى خلق واقع من الاعتماد المتبادل القسري. فمصير كل طرف أصبح مرتبطاً، بدرجة أو بأخرى، بقرارات الطرف الآخر. وكل محاولة لتجاهل هذه الحقيقة أو فرض حل أحادي الجانب لم تؤدِّ إلا إلى جولات جديدة من التوتر والعنف وعدم الاستقرار. ومع مرور الزمن، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين مشروعين متنافسين، بل تحول إلى مأزق تاريخي تتشابك فيه حياة الشعبين ومستقبلهما على نحو يصعب فصله.
ومن المفارقات اللافتة أن محاولات حسم الصراع بالقوة العسكرية لم تؤدِّ إلى إنهائه. فكلما سعت إسرائيل إلى فرض واقع نهائي عبر الحروب أو العمليات العسكرية الكبرى، بدت وكأنها تحقق إنجازات ميدانية مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها أمام أزمات سياسية وأمنية واستراتيجية أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل تلك المواجهات. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير القدرات المادية للخصم وإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، لكنها لم تستطع حتى الآن إنهاء الهوية الوطنية الفلسطينية أو إغلاق ملف القضية الفلسطينية.
بل إن كثيراً من جولات الصراع الكبرى أدت إلى نتيجة معاكسة للتوقعات. فبدلاً من اختفاء القضية الفلسطينية من المشهد، عادت إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي. وبدلاً من أن يؤدي الضغط المتواصل إلى إنهاء المطالب الفلسطينية، أثبت الفلسطينيون قدرة مستمرة على الصمود وإعادة إنتاج حضورهم السياسي والتاريخي. وهكذا وجدت إسرائيل نفسها، بعد كل محاولة للحسم، أمام حقيقة ثابتة: يمكن كسب المعارك، لكن تحويل النصر العسكري إلى نهاية سياسية للصراع أمر مختلف تماماً.
وفي المقابل، لم يتمكن الفلسطينيون من تحقيق أهدافهم الوطنية الأساسية أو فرض رؤيتهم النهائية للحل، لكنهم لم يختفوا من المعادلة ولم يفقدوا قدرتهم على التأثير في مسار الأحداث. فبعد عقود من التوقعات التي تحدثت عن تراجع القضية أو ذوبانها في تحولات المنطقة، ما زالت حاضرة وقادرة على فرض نفسها على الوقائع السياسية.
لذلك يمكن القول إن نوعاً من توازن الردع التاريخي والسياسي قد نشأ بين الطرفين. ليس توازناً في القوة العسكرية أو الموارد أو السيطرة على الأرض، فالتفاوت في هذه المجالات واضح. وإنما هو توازن في القدرة على منع الطرف الآخر من تحقيق حسم نهائي. إسرائيل قادرة على منع الفلسطينيين من فرض مشروعهم الوطني كاملاً، لكنها عاجزة عن إنهاء القضية الفلسطينية أو تحويلها إلى ذكرى تاريخية. والفلسطينيون عاجزون عن فرض رؤيتهم النهائية للصراع، لكنهم قادرون على منع تحويل وجودهم وقضيتهم إلى صفحة مطوية من الماضي.
ومن هنا تنشأ المعضلة الأساسية. فكل طرف يملك ما يكفي من القوة أو الصمود أو القدرة على التأثير لمنع انتصار الآخر الكامل، لكنه لا يملك ما يكفي لتحقيق انتصاره هو. وهكذا يستمر الصراع في حالة معلقة، حيث يتحول الزمن نفسه إلى ساحة مواجهة، وينتظر كل طرف أن يحقق المستقبل ما عجز الحاضر عن تحقيقه.
تكمن المأساة في أن الشعبين يملكان من أسباب الخوف ما يكفي لإدامة الصراع، لكنهما لا يملكان من القوة ما يكفي لإنهائه بصورة نهائية لصالح أحدهما. ولذلك تبدو المنطقة وكأنها أسيرة معادلة مغلقة: الفلسطينيون لا يستطيعون انتزاع ما يعتبرونه حقوقهم كاملة، والإسرائيليون لا يستطيعون الحصول على الأمن الكامل والاستقرار النهائي الذي يسعون إليه.
غير أن إدراك هذه الحقيقة لا يعني الاستسلام لها، بل يعني التحرر من الأوهام التي حكمت التفكير السياسي لدى الطرفين لعقود طويلة. فربما كانت أكبر عقبة أمام أي تسوية تاريخية هي استمرار الاعتقاد بأن الزمن وحده كفيل بتحقيق ما عجزت عنه السياسة، أو أن القوة قادرة على إنجاز ما فشلت في تحقيقه الحروب المتعاقبة.
إن الاعتقاد بأن الإسرائيليين يعيشون في وضع مريح بسبب تفوقهم، أو أن الفلسطينيين خسروا قضيتهم بسبب ضعفهم، يعكس قراءة سطحية للواقع. فالتفوق لا يعني الحسم، والصمود لا يعني الانتصار. وما بين التفوق والصمود نشأت معادلة فرضت نفسها على الطرفين: لا أحد انتصر بما يكفي لينهي الصراع، ولا أحد انهزم بما يكفي ليغادره.
وربما تكون هذه هي الحقيقة السياسية الأهم في المنطقة اليوم. فبعد عقود طويلة من المواجهة، أصبح الفلسطينيون والإسرائيليون مرتبطين بمصير سياسي واحد أكثر مما يرغب كثيرون في الاعتراف. فلا يمكن لأي طرف أن يحقق استقراراً دائماً من خلال تجاهل وجود الطرف الآخر أو انتظار انهياره. لقد جُرِّبت القوة، وجُرِّب الرهان على الزمن، وجُرِّبت سياسات فرض الأمر الواقع، لكن الصراع بقي قائماً.
ولهذا فإن جوهر المأزق ليس أن أحد الطرفين عاجز عن الانتصار فقط، بل أن كليهما عاجز عن التخلص من الآخر. وفي هذه الحقيقة تحديداً يكمن سبب استمرار الصراع، وربما يكمن فيها أيضاً مفتاح فهم أي حل مستقبلي له.





שתף את דעתך
فلسطين وإسرائيل: بين وهم الانتصار ووهم الهزيمة