أعلنت مؤسسة جائزة "بوكر" الأدبية المرموقة عن إطلاق مبادرة ثقافية واسعة النطاق تهدف إلى معالجة ما وصفته بـ"أزمة القراءة" المتفاقمة بين البالغين في المملكة المتحدة. تسعى هذه الخطوة إلى توسيع قاعدة القراء من خلال تقديم محتوى أدبي رفيع المستوى بأسعار في متناول الجميع، لمواجهة العوائق الاقتصادية والاجتماعية التي تحول دون اقتناء الكتب.
تتمثل المبادرة في إصدار مجموعة قصصية جديدة تحمل عنوان "All Around the World" (حول العالم)، وتضم نخبة من النصوص التي صاغها كتّاب حائزون على الجائزة العالمية أو وصلوا لقوائمها النهائية. وقد أشرف الروائي الأيرلندي رودي دويل، الفائز السابق ببوكر، على اختيار هذه النصوص لضمان تنوعها وقدرتها على جذب القراء من مختلف الخلفيات.
تأتي هذه التحركات بالتزامن مع صدور بيانات أولية من تقرير "حالة القراءة لدى البالغين"، والتي كشفت عن أرقام وصفت بالمقلقة في الأوساط الثقافية البريطانية. حيث أقر نحو 55 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع بأنهم يقرؤون بمعدلات أقل بكثير مما يطمحون إليه، مما يشير إلى فجوة كبيرة بين الرغبة في المعرفة والقدرة على الممارسة الفعلية.
وأظهرت الإحصائيات أن التحدي لا يقتصر فقط على البدء في القراءة، بل يمتد إلى الاستمرارية، إذ يواجه أكثر من ثلث البالغين صعوبة بالغة في إنهاء الكتب التي يبدؤون قراءتها. وتعكس هذه الظاهرة تحولاً في أنماط التركيز لدى الجمهور، مما استدعى تدخل المؤسسات الثقافية الكبرى لإيجاد حلول مبتكرة تعيد الاعتبار للكتاب الورقي والرقمي.
ولا ترتبط أزمة القراءة بضيق الوقت فحسب، بل تمتد لتشمل قضايا التمثيل الثقافي والهوية داخل النصوص الأدبية المتاحة في الأسواق. فقد عبر نحو 19 بالمئة من الشباب في الفئة العمرية بين 16 و24 عاماً عن شعورهم بالاغتراب تجاه الأدب الحالي، مؤكدين أنهم لا يجدون تجاربهم الشخصية أو خلفياتهم الثقافية ممثلة بإنصاف في الروايات السائدة.
المبادرة الجديدة تُطرح ضمن مشروع "Quick Reads" الذي يحتفل بمرور عقدين على تأسيسه، وهو مشروع مخصص لتعزيز مهارات محو الأمية وتشجيع القراءة المنتظمة. وسيتم طرح المجموعة القصصية بسعر رمزي لا يتجاوز جنيهاً إسترلينياً واحداً، في محاولة لكسر الحاجز المادي الذي يمنع ذوي الدخل المحدود من الوصول إلى الأدب الجيد.
وفي لفتة إنسانية واجتماعية، تعهدت مؤسسة "بوكر" بتوزيع نحو 12 ألف نسخة مجانية من الكتاب الجديد على الفئات الأكثر احتياجاً، بما في ذلك السجناء والمشاركين في برامج التأهيل. كما سيتم توفير النسخ الرقمية والسمعية مجاناً لقرّاء مجلة "بيغ إيشو"، مع توزيع مئات النسخ الورقية عبر الباعة المتجولين في المدن البريطانية الكبرى.
الأدب يصبح أكثر جذباً عندما تُزال الحواجز التي تمنع الناس من الاقتراب منه، والقصص المختارة تسعى لتوفير نقاط دخول متنوعة تساعد القارئ على اكتشاف نفسه.
صرح الروائي رودي دويل لمصادر صحفية بأن المجموعة القصصية تمثل "دعوة مفتوحة" للجميع للعودة إلى عالم الكتب دون خوف أو تردد. وأوضح دويل أن الكثير من الناس يشعرون بأن الكتب تتحدث عن عوالم بعيدة عنهم، ولذلك ركز في اختياراته على قصص توفر "نقاط دخول" تلامس الواقع اليومي للقارئ وتشعره بالانتماء للنص.
من جانبهم، يرى مراقبون أن القراءة في العصر الحالي باتت تشبه ممارسة التأمل الذهني، حيث تمنح الإنسان فرصة للانفصال المؤقت عن ضجيج الحياة الرقمية. وأكد أحد العاملين في توزيع الكتب بلندن أن القراءة تنقل الشخص إلى عوالم مغايرة دون أن تفصله عن واقعه، مما يعزز من الرفاه النفسي والقدرة على الاندماج الاجتماعي.
وتشير البيانات التحليلية إلى أن فقدان الحماس أثناء القراءة هو السبب الرئيسي وراء ترك الكتب قبل إتمامها، بنسبة تصل إلى 40 بالمئة من القراء. هذا التحدي يضع دور النشر أمام مسؤولية إنتاج محتوى أكثر تشويقاً وقرباً من اهتمامات الجمهور المعاصر الذي اعتاد على المحتوى السريع والمكثف عبر منصات التواصل.
كما برز عامل ضيق الوقت كعائق أساسي لدى 22 بالمئة من المستطلعين، بينما اعتبر 21 بالمئة أن الارتفاع المستمر في أسعار الكتب يمثل عقبة تحول دون شرائهم للأعمال الأدبية الجديدة. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تراجع ملحوظ في معدلات الانخراط العميق في المحتوى الثقافي الرصين لصالح المحتوى الرقمي المشتت.
وتؤكد مؤسسة "وكالة القراءة" البريطانية أن الحل يكمن في جعل الكتب أكثر ارتباطاً بحياة الناس اليومية وأسهل في الوصول إليها من الناحية اللوجستية والمادية. وترى الوكالة أن إعادة بناء العلاقة بين الجمهور والكتاب تتطلب تضافر جهود المؤسسات الثقافية والتعليمية لمواجهة تداعيات العصر الرقمي على مستويات التركيز.
تضم المجموعة القصصية أسماءً لامعة مثل الكاتبة البريطانية الصومالية ناديفا محمد، التي تقدم صوتاً أدبياً يعكس التنوع الثقافي في بريطانيا الحديثة. ويهدف إشراك مثل هذه الأسماء إلى سد الفجوة في التمثيل الثقافي التي اشتكى منها الشباب، وتقديم نماذج أدبية تحتفي بالتعددية والاختلاف كعنصر إثراء للمجتمع.
في نهاية المطاف، تمثل مبادرة جائزة "بوكر" محاولة جادة لاستعادة مكانة القراءة كفعل يومي أساسي في حياة البالغين، بعيداً عن النخبوية أو التعقيد. ومن خلال تقليل التكلفة وتنويع المحتوى، تأمل المؤسسة في أن تساهم هذه الخطوة في خلق جيل جديد من القراء يجد في الأدب مرآة تعكس واقعه وطموحاته.





שתף את דעתך
مؤسسة "بوكر" تطلق مبادرة لمواجهة "أزمة القراءة" في بريطانيا بكتب رمزية