تكتسب التصريحات الأخيرة للمبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سوريا والعراق، توم براك، صبغة شكلية حين وصف قرار بعض الفصائل المسلحة بفك ارتباطها بـ 'الحشد الشعبي' بأنه لبنة أولى في مسار طويل. ويرى مراقبون أن هذا التوصيف يختزل غابة متشابكة من القوى العسكرية في شجيرات قليلة، متجاهلاً الطبيعة المعقدة لمنظومة الميليشيات التي نمت في العراق منذ سنوات.
شملت قائمة الفصائل التي أعلنت فك الارتباط 'عصائب أهل الحق' و'كتائب الإمام علي'، وذلك في أعقاب مبادرة مقتدى الصدر الذي سحب جناحه العسكري 'سرايا السلام'. وفي المقابل، لا تزال قوى وازنة مثل منظمة 'بدر' و'كتائب سيد الشهداء' تضع شروطاً وتحفظات، مما يعكس انقساماً داخلياً حول مستقبل هذه التشكيلات المسلحة.
تعود جذور هذه المعضلة إلى حزيران 2014، حين أطلق المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني فتوى 'الجهاد الكفائي' لمواجهة تنظيم داعش. تلك اللحظة فتحت الباب لولادة عشرات الفصائل التي لم تكتفِ بالدور الدفاعي، بل تحولت إلى قوى سياسية وعسكرية مهيمنة على مفاصل الدولة العراقية.
لم تقتصر أدوار هذه الفصائل على الداخل العراقي، بل امتدت لتشمل مشاركة واسعة في الصراع السوري دعماً لنظام بشار الأسد، بتوجيهات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني. وقد سجلت تقارير حقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها ميليشيات مثل 'حركة النجباء' و'كتائب حزب الله' في مناطق دمشق وحلب ودير الزور.
إن التحولات الجيوسياسية الراهنة، خاصة بعد أحداث 'طوفان الأقصى' والضربات التي تلقاها المحور الإيراني، فرضت واقعاً جديداً على الحشد الشعبي. فقد أدى إضعاف المركز في طهران واغتيال قيادات حزب الله اللبناني إلى تآكل الركائز التي كانت تستند إليها الفصائل العراقية في فرض سطوتها.
الارتباط الذي يتوجب أن يُفكّ أولاً هو ذاك الذي جعل من الحشد الشعبي جيشاً داخل الجيش العراقي، أو أعلى منه سطوة وهيمنة وتسلطاً.
جاء انهيار النظام في سوريا أواخر عام 2024 ليمثل ضربة قاصمة لخطوط الإمداد والنفوذ العابر للحدود، مما أجبر الفصائل على الارتكاس نحو الداخل العراقي. هذا الانكفاء لم يكن خياراً استراتيجياً بقدر ما كان رضوخاً لمتغيرات ميدانية أفقدت هذه القوى عمقها الإقليمي الحيوي.
تعيش هذه المكونات اليوم حالة من الاغتراب داخل العراق، حيث تحاول التكيف مع أدوار ميليشياتية جديدة تحت مظلة 'الإطار التنسيقي'. وفي الوقت ذاته، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع تقييدات أمريكية صارمة تصل إلى حد التدخل في اختيار المرشحين لرئاسة الحكومة ورسم الخطوط الحمراء للبرامج السياسية.
إن جوهر الأزمة يكمن في أن الحشد الشعبي تحول إلى جيش موازٍ يتفوق في سطوته على الجيش العراقي النظامي، مع محاولات مستمرة لإضفاء شرعية قانونية عليه. هذا التكوين الطائفي يظل مرتبطاً بأجندات خارجية لا تعنى باستقرار العراق بقدر اهتمامها بضمان التبعية والولاء الإقليمي.
لا يمكن فصل ملف السلاح عن ملف الفساد المستشري، حيث تُتهم قوى الحشد بحماية منظومات نهب المال العام التي تستنزف تريليونات الدنانير من المصارف الحكومية. فالعمارة السياسية التي يروج البعض لترميمها عبر 'فك الارتباط' تبدو متداعية الأركان بسبب تغلغل المحاصصة الطائفية والفساد المالي.
في نهاية المطاف، يبدو المشهد العراقي الحالي شبيهاً ببدايات مرحلة ما بعد غزو 2003، حيث تتخبط القوى الدولية والمحلية في إيجاد صيغة للاستقرار. وبينما تحاول واشنطن إدارة الأزمة عبر 'رئيس حكومة مطواع'، تظل الحقيقة أن أي إصلاح حقيقي يتطلب إنهاء حالة 'الدولة داخل الدولة' وتفكيك بنية التبعية التي كبلت العراق لسنوات.





שתף את דעתך
معضلة الحشد الشعبي في العراق: هل ينهي 'فك الارتباط' سطوة الميليشيات؟