أعادت الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت مناطق واسعة في شرق سوريا تسليط الضوء على أزمات تتجاوز حدود الكوارث الطبيعية المعتادة. فالمشهد الذي غمر القرى والأراضي الزراعية لم يكن مجرد تدفق للمياه، بل كان تعبيراً صارخاً عن حجم التحديات التي تواجه مجتمعاً خرج من سنوات طويلة من التفكك المؤسسي والانهيار البنيوي.
إن هذه الكوارث لا تصنع الأزمات من العدم، بل تعمل ككاشف للمستور، حيث تبرز هشاشة البنى التحتية وضعف القدرة على إدارة الأزمات لدى المؤسسات القائمة. ومن هنا يبرز تساؤل جوهري حول مدى جاهزية البنية الاجتماعية والمؤسساتية لاستقبال مفاهيم الديمقراطية والمجتمع المدني في ظل هذا الواقع المتردي.
خلال السنوات الماضية، تصدر الحديث عن المجتمع المدني بوصفه الركيزة الأساسية للتحول الديمقراطي في سوريا، إلا أن هذا النقاش غالباً ما يتجاهل تعقيدات الواقع. فالمجتمع المدني لا يولد بقرار سياسي فوقي، بل هو نتاج مسار تراكمي من بناء الثقة وترسيخ سيادة القانون وثقافة المشاركة الوطنية.
تزداد الحالة السورية تعقيداً بالنظر إلى السياسات السابقة التي عملت على تدجين المجتمع المدني وإلحاقه بشبكات الولاء السياسي. هذا النهج أدى إلى تآكل المؤسسات المستقلة، بل وامتد أثره ليصيب الروابط الاجتماعية التقليدية التي كان من المفترض أن تكون صمام أمان للتضامن المجتمعي.
من الضروري اليوم التمييز بدقة بين المجتمع الأهلي القائم على الروابط العائلية والعشائرية، وبين المجتمع المدني القائم على المواطنة والتنظيم الطوعي. المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل الروابط الأهلية إلى أدوات سياسية تفقد استقلاليتها ووظيفتها الاجتماعية الأصلية في تعزيز التماسك.
عملية إعادة الإعمار في سوريا لا يجب أن تقتصر على ترميم الحجر والأسمنت، بل يجب أن تشمل إعادة ترميم العلاقات الاجتماعية الممزقة. فالدولة لا يمكن بناؤها بمعزل عن مجتمعها، كما أن المجتمع لا يمكنه التعافي في ظل مؤسسات عاجزة تفتقر إلى ثقة المواطن.
تبرز هنا أفكار الفيلسوف أنطونيو غرامشي حول 'الهيمنة الثقافية'، حيث يرى أن السلطة لا تستند للقهر وحده بل للقدرة على تشكيل الوعي. وبناءً عليه، فإن تغيير السلطة السياسية لن يكون كافياً إذا ظلت البنى الفكرية والاجتماعية القديمة هي المتحكمة في المشهد العام.
الديمقراطية ليست نقطة البداية، بل ثمرة مسار طويل من إعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان في آن واحد.
تتقاطع هذه الرؤية مع طروحات ميشيل فوكو حول آليات السلطة التي تتغلغل في أنماط التفكير اليومية والخطابات السائدة. إن النقد في هذا السياق لا يهدف لإضعاف الدولة، بل يعمل كأداة إصلاحية ضرورية لتنبيه المؤسسات إلى مواطن الخلل وتجنب إعادة إنتاج أخطاء الماضي.
وفي سياق متصل، يلفت إدوارد سعيد الانتباه إلى الصراع حول 'الرواية' التي توجه المجتمع وتحدد أولوياته الوطنية. فالسؤال حول من يحدد المصلحة العامة ومن يرسم صورة المستقبل يعد سؤالاً وجودياً للمجتمعات الخارجة من صراعات دموية طويلة.
تظهر الحاجة اليوم ملحة لبروز 'المثقف العضوي' الذي لا يكتفي بمراقبة الواقع من بعيد، بل يساهم بفعالية في بناء الوعي العام. فمعارك إعادة البناء الحقيقية لا تُحسم داخل أروقة المؤسسات الرسمية فحسب، بل في ميدان الأفكار والقيم التي توجه المجتمع نحو المستقبل.
المفارقة السورية الراهنة تكمن في البحث عن علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع المدني، بعيداً عن ثنائية الاستقرار أو الديمقراطية. فالدولة القوية والعادلة هي التي تجد في المجتمع المدني شريكاً لا نقيضاً، حيث يفقد كلاهما معناه إذا تحولا لأدوات إقصاء.
إن الدرس المستخلص من فيضانات الفرات يتجاوز التعامل مع تدفق المياه إلى ضرورة التفكير في شروط البناء الاجتماعي المستدام. فالهشاشة التي ظهرت في البنية التحتية تعكس هشاشة موازية في الجاهزية المؤسساتية لحمل مشروع ديمقراطي حقيقي وقابل للحياة.
ربما لا يكون السؤال الأهم هو توقيت وصول الديمقراطية إلى سوريا، بل في كيفية خلق الشروط الثقافية والاجتماعية التي تضمن استمرارها. فالديمقراطية في نهاية المطاف ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي ثقافة وممارسة تتطلب وعياً مؤسسياً عميقاً.
ختاماً، يظل الرهان على قدرة السوريين في إعادة صياغة عقدهم الاجتماعي وبناء مؤسسات تعبر عن تطلعاتهم بعيداً عن التبعية. إن طريق التعافي طويل، ويبدأ بالاعتراف بأن بناء الإنسان هو الحجر الأساس في بناء الدولة والمجتمع على حد سواء.





שתף את דעתך
ما وراء فيضانات الفرات: هل المجتمع السوري جاهز لاستحقاقات الديمقراطية؟