א 31 מאי 2026 2:54 pm - שעון ירושלים

تحذيرات من موجة 'مكارثية' جديدة تستهدف الأكاديميين والمستقلين في مصر

أثارت وفاة الأكاديمي البارز خالد فهمي، الذي شغل سابقاً منصب رئيس دار الوثائق المصرية، حالة من الحزن الواسع شملت مختلف التيارات السياسية والوطنية في البلاد. وقد تجلى هذا الرثاء في تظاهرة حب إلكترونية وواقعية جمعت بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، مما عكس تقديراً كبيراً لمسيرة الفقيد العلمية والوطنية.

في المقابل، استفزت هذه الحالة من الإجماع الشعبي بعض المنابر الإعلامية المحسوبة على السلطة، والتي بدأت بشن حملات تحريضية ضد من وصفتهم بـ'الخلايا النائمة'. واعتبرت هذه المنصات أن بقاء أكاديميين يحملون فكراً مستقلاً في مناصبهم يمثل ثغرة يجب التعامل معها أمنياً وإدارياً بشكل عاجل.

يرى مراقبون أن هذا السلوك الإعلامي يستلهم حقبة 'المكارثية' التي سادت الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة في الخمسينيات من القرن الماضي. حيث قاد السيناتور جوزيف مكارثي حملات شعواء لملاحقة آلاف الأمريكيين بتهم الانتماء للشيوعية، وهي اتهامات ثبت لاحقاً بطلان معظمها.

تاريخياً، بدأت المكارثية الأمريكية بزعم وجود قائمة تضم مئات الدبلوماسيين الشيوعيين في وزارة الخارجية، مما أدى لفصلهم وسجنهم. ولم تتوقف الملاحقات عند السياسيين، بل امتدت لتشمل أكثر من عشرة آلاف مواطن تم التنكيل بهم وطردهم من وظائفهم العامة والخاصة دون أدلة ملموسة.

ومن المفارقات التاريخية أن هذه الحملات طالت رموزاً عالمية لم تكن تنتمي للتيار الشيوعي، مثل العالم ألبرت أينشتاين والمناضل مارتن لوثر كينج والفنان تشارلي شابلن. وهذا يؤكد أن سلاح الاتهام بالخيانة أو العمالة غالباً ما يتجاوز أهدافه المعلنة ليصيب كل صوت حر أو مختلف.

تشير الدراسات الأكاديمية، ومنها أبحاث معهد ماساتشوستس، إلى أن المكارثية لم تفرق بين الشيوعيين ومعارضيهم الليبراليين. فالاقتصادي غوستاف باباناك، رغم توجهاته الليبرالية، اضطر لمغادرة الولايات المتحدة بعد تضييق الخناق عليه، ولم يتمكن من العودة إلا بعد انحسار تلك الموجة الجنونية.

وبالعودة إلى المشهد المصري، يلاحظ أن حملات المطاردة والفصل التي بدأت ضد تيار معين عقب أحداث عام 2013، بدأت تتوسع تدريجياً. ويرى الكاتب أن هذه الدائرة لم تعد تقتصر على فصيل سياسي واحد، بل أصبحت تشمل الليبراليين واليساريين وكل من يتبنى مواقف مستقلة.

لقد انطلت خدعة المكارثية في بدايتها على قطاع من الجمهور الأمريكي الذي صفق لها خوفاً من 'الخطر الشيوعي' المزعوم. وبالمثل، شهدت الساحة المصرية حالات تأييد لإجراءات استثنائية تحت مبررات حماية الدولة، قبل أن يبدأ هذا التأييد بالتراجع مع انكشاف الحقائق.

تراجع الهوس المكارثي في أمريكا جاء بفضل شجاعة إعلاميين وكتاب واجهوا ادعاءات مكارثي بالحجة والدليل، مما دفع المجتمع لاستعادة ثقته بالدستور. وانتهى الأمر بمحاكمة مكارثي نفسه وإدانته من قبل الكونجرس بتهم التزوير والفساد، ليموت لاحقاً منبوذاً وفاقداً لأهليته السياسية.

أما في الواقع الحالي، فثمة مؤشرات على محاولات لإحياء هذه الروح التحريضية لمواجهة حالة الانحسار في الانقسام المجتمعي. وتستهدف هذه الموجة الجديدة الأكاديميين الذين يرفضون الانخراط في التطبيل الإعلامي، ويتم تصنيفهم كخلايا مستترة يجب استئصالها من المؤسسات التعليمية.

الخطر الحقيقي يكمن في تحول هذه التحريضات الإعلامية إلى سياسات رسمية أو تشريعات تتيح 'تطهير' الجامعات بناءً على تقارير أمنية. مثل هذه الخطوات تفتح الباب على مصراعيه للوشايات الكاذبة وتصفية الحسابات الشخصية بين الزملاء داخل الحرم الجامعي.

إن ظهور طائفة من 'الأكاديميين الأمنيين' الذين يسعون للترقي عبر كتابة التقارير في زملائهم يهدد استقلالية الجامعات وجودة التعليم. فبدلاً من التنافس العلمي، يصبح المعيار هو مدى الولاء والقدرة على إقصاء المنافسين بتهم سياسية جاهزة ومعلبة.

النتيجة الحتمية لهذه السياسات هي حرمان الكفاءات الوطنية من حقها في العمل والترقي، وزيادة أعداد المظلومين والمهمشين في المجتمع. وهذا المسار لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، حيث تضيع الحقوق الأكاديمية في دهاليز الملاحقات الأمنية والاتهامات المرسلة.

ختاماً، يبقى الرهان على وعي المجتمع وقدرته على تمييز التضليل الإعلامي الذي يسعى لتقسيم المواطنين. إن تجارب التاريخ تثبت أن موجات الظلم، مهما بلغت قوتها، تنتهي دائماً بالفشل، بينما تبقى المواقف المبدئية والإنتاج العلمي الحقيقي هما الأبقى في ذاكرة الشعوب.

תגים

שתף את דעתך

تحذيرات من موجة 'مكارثية' جديدة تستهدف الأكاديميين والمستقلين في مصر

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.