א 31 מאי 2026 11:10 am - שעון ירושלים

صفقة إيران المرتقبة تكشف حدود القوة الأميركية وتراجع رهانات ترمب

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات-31/5/2026

تحليل إخباري

مع اقتراب واشنطن وطهران من التوصل إلى تفاهم جديد يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، تتكشف بصورة متزايدة الفجوة بين الأهداف الطموحة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عند بدء المواجهة مع إيران، وبين النتائج التي يبدو أن إدارته مستعدة لقبولها اليوم. فبعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي، لا تتجه الأزمة نحو استسلام إيراني أو تغيير للنظام، بل نحو تسوية تفاوضية تسعى بالدرجة الأولى إلى احتواء التوتر ومنع انفجار إقليمي أوسع.

عندما اختار ترمب المواجهة المباشرة مع إيران، رافق ذلك خطاب عالي السقف تحدث عن القضاء على التهديد الإيراني، وإنهاء البرنامج النووي بصورة نهائية، بل وفتح الباب أمام احتمال تغيير النظام في طهران. غير أن مسار الأحداث كشف سريعاً أن الأهداف المعلنة كانت أكبر بكثير من القدرة العملية على تحقيقها. فإيران لم تنهَر سياسياً، ولم تتفكك مؤسساتها الأمنية والعسكرية، كما لم تنجح الضغوط العسكرية والاقتصادية في دفعها إلى القبول باستسلام غير مشروط.

واليوم تبدو الأولويات الأميركية مختلفة بصورة واضحة. فبدلاً من الحديث عن إسقاط النظام أو إعادة تشكيل إيران سياسياً، تركز واشنطن على ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية وإعادة فتح مضيق هرمز وتأمين حرية الملاحة البحرية. وهذا التحول لا يعكس فقط إعادة ترتيب للأولويات، بل يمثل اعترافاً ضمنياً بأن الحرب لم تحقق الأهداف الاستراتيجية التي رُوّج لها في بدايتها، وأن كلفة استمرارها باتت تفوق المكاسب المتوقعة منها.

وقد ساهم إغلاق مضيق هرمز خلال الأزمة في إحداث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة الدولية، الأمر الذي انعكس على أسعار الوقود وسلاسل التوريد والتضخم في الولايات المتحدة وحول العالم. ولذلك أصبحت إعادة فتح المضيق هدفاً أميركياً ملحاً، رغم أن حرية الملاحة كانت قائمة أصلاً قبل اندلاع المواجهة. وهذه المفارقة تدفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الحرب قد حققت مكاسب استراتيجية فعلية، أم أنها انتهت بإعادة الأطراف إلى نقطة قريبة من حيث بدأت.

وتبرز المفارقة بصورة أكبر في الملف النووي. فترمب الذي بنى جزءاً مهماً من خطابه السياسي على مهاجمة الاتفاق النووي لعام 2015 والانسحاب منه خلال ولايته الأولى بحجة أنه اتفاق ضعيف، يجد نفسه اليوم أمام احتمال القبول بتفاهم جديد قد لا يختلف كثيراً عن الاتفاق السابق في جوهره. بل إن بعض المراقبين يرون أن الظروف الحالية قد تمنح طهران موقعاً تفاوضياً أفضل مما كانت عليه قبل سنوات، بعدما تمكنت من توسيع برنامجها النووي وتعزيز قدراتها التقنية خلال مرحلة التصعيد.

كما أن الضربات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية لم تحسم الجدل حول مستقبل البرنامج النووي. فالتقديرات المتداولة تشير إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات تقنية وبمخزونات مهمة من اليورانيوم عالي التخصيب، ما يعني أن الخيار العسكري لم ينجح في إنهاء المشكلة من جذورها، وأن الحل السياسي ما زال الطريق الوحيد المتاح لإدارة هذا الملف المعقد.

وفي المقابل، خرجت القيادة الإيرانية من المواجهة وهي تسعى إلى تقديم نفسها داخلياً وخارجياً بوصفها طرفاً صمد أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية. فبدلاً من ظهور مؤشرات على انهيار النظام أو تفكك مؤسساته، أظهرت الدولة الإيرانية قدرة كبيرة على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم أدواتها السياسية والعسكرية. ولذلك تبدو طهران اليوم مقتنعة بأنها دخلت أي مفاوضات مقبلة من موقع تفاوضي أفضل مما كانت عليه عند بداية الأزمة.

ولا يقتصر التحدي أمام ترمب على التفاوض مع إيران، بل يمتد إلى الداخل الأميركي نفسه. فالرئيس الذي وعد بتحقيق انتصار حاسم يواجه انتقادات متزايدة من شخصيات جمهورية ومحافظة ترى أن أي اتفاق يسمح لإيران بالاحتفاظ بقدرات تخصيب، ولو كانت محدودة، يمثل تراجعاً عن التعهدات السابقة. كما يخشى منتقدوه أن ينتهي الأمر بإدارته إلى تبني مقاربة شبيهة بتلك التي اتبعها الرئيس الأسبق باراك أوباما، وهي المقاربة التي ظلت هدفاً دائماً للهجوم الجمهوري طوال سنوات.

وتكشف هذه التطورات مجدداً حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية الكبرى. فمن العراق إلى أفغانستان، أظهرت التجارب الأميركية أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى نجاح سياسي دائم. وفي الحالة الإيرانية اصطدمت رهانات واشنطن بواقع دولة تمتلك مؤسسات راسخة، وقدرات عسكرية معتبرة، وشبكات نفوذ إقليمية واسعة، الأمر الذي جعل كلفة المواجهة مرتفعة بينما بقيت نتائجها السياسية محدودة.

ولا تتوقف تداعيات هذه المراجعة عند حدود العلاقة الأميركية الإيرانية. فالتعثر الذي يواجهه مشروع احتواء إيران ينعكس أيضاً على رؤية أوسع سعت واشنطن إلى تكريسها خلال السنوات الأخيرة، تقوم على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتوسيع دائرة التطبيع العربي الإسرائيلي من خلال اتفاقيات أبراهام. غير أن استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة وتصاعد الغضب الشعبي العربي تجاه السياسات الإسرائيلية جعلا تحقيق اختراقات جديدة أكثر صعوبة، وأضعفا الرهانات على إعادة هندسة المنطقة وفق التصورات التي روجت لها الإدارات الأميركية المتعاقبة.

في المحصلة، قد ينجح الاتفاق المرتقب في خفض التوتر ومنع اندلاع حرب إقليمية أوسع، لكنه يكشف في الوقت نفسه حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: فبعد أشهر من التصعيد والتهديدات والعمليات العسكرية، لم تحقق واشنطن الأهداف القصوى التي أعلنتها عند بداية المواجهة. وبدلاً من فرض شروطها على طهران، تجد نفسها عائدة إلى طاولة التفاوض بحثاً عن تسوية يمكن إدارتها سياسياً. ولهذا تبدو الصفقة المحتملة، أكثر من كونها انتصاراً أميركياً، تعبيراً عن حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بوقائع السياسة والجغرافيا وموازين القوى الإقليمية.

תגים

שתף את דעתך

صفقة إيران المرتقبة تكشف حدود القوة الأميركية وتراجع رهانات ترمب

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.