تتكشف يوماً بعد آخر ملامح خطة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إفراغ منطقة جنوب لبنان من سكانها، عبر تحويل أوامر الإخلاء العسكرية من إجراءات مؤقتة إلى واقع تهجير دائم. وتعتمد هذه الاستراتيجية على تكرار الإنذارات وتوسيع رقعتها الجغرافية لتشمل مناطق لم تكن مستهدفة في السابق، مما يعكس رغبة الاحتلال في خلق منطقة عازلة خالية من الوجود السكاني.
وفي تطور ميداني جديد، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي إنذارات عاجلة لسكان 13 قرية وبلدة في الجنوب اللبناني، مطالباً إياهم بمغادرة منازلهم فوراً والتوجه إلى مناطق تقع شمال نهر الزهراني. وشملت هذه الأوامر بلدات المروانية، واللوبية، وأنصارية، وزفتا، وتفاحتا، وميدون، بالإضافة إلى قرى أخرى منها الزرارية وميفدون وشوكين وزبدين، في خطوة تزامنت مع عطلة عيد الأضحى.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الاحتلال يسعى لتثبيت حالة الإخلاء الدائم عبر منع السكان من العودة إلى ديارهم حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية المباشرة. وتجاوزت هذه الأوامر القرى الصغيرة لتطال مدناً رئيسية مثل صور والنبطية، حيث صدرت تعليمات إخلاء شاملة للمدن بأكملها دون وضع أي جداول زمنية تسمح بعودة المدنيين إلى أحيائهم.
ويلاحظ في الآونة الأخيرة غياب الإنذارات المركزة التي كانت تستهدف مبانٍ بعينها، واستبدالها بأوامر إخلاء عامة للمربعات السكنية والمدن الكبرى. هذا التحول في التكتيك العسكري يشير إلى نية الاحتلال تدمير البنية التحتية والاجتماعية في تلك المناطق، تحت غطاء ملاحقة القدرات العسكرية التابعة لحزب الله ومنع استخدامها في العمليات القتالية.
وتأتي هذه التحركات الإسرائيلية في وقت تتزايد فيه حدة التصعيد العسكري، حيث يتذرع جيش الاحتلال بوجود منشآت عسكرية داخل الأحياء المدنية لتبرير عمليات القصف والتهجير. وتؤكد التقارير الميدانية أن هذه السياسة تهدف إلى الضغط على الحاضنة الشعبية وتغيير الديموغرافيا السكانية في المناطق الحدودية والقريبة من خط المواجهة.
إسرائيل تسعى لإعادة تشكيل الواقع الميداني في جنوب لبنان وفرض وقائع جديدة قبل أي تسوية محتملة.
وفي سياق متصل، كشفت تسريبات من جلسات الكابينت الأمني والسياسي الإسرائيلي عن توجهات لتبني نهج أكثر عدوانية تجاه لبنان. حيث دعا رئيس الأركان إيال زامير إلى استخدام قوة عسكرية مضاعفة لردع هجمات الطائرات المسيرة، مشدداً على ضرورة تصعيد العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية لفرض معادلات جديدة في الصراع المستمر.
وتسعى القيادة الإسرائيلية من خلال هذا التصعيد الميداني إلى فرض وقائع على الأرض يصعب تجاوزها في أي مفاوضات سياسية مستقبلية. ويرى مراقبون أن تل أبيب تحاول تحسين شروطها التفاوضية عبر السيطرة النارية والبشرية على مناطق واسعة في الجنوب، مستغلة حالة الترقب الدولي والمبادرات الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من التبريرات الأمنية التي تسوقها إسرائيل، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى عملية تطهير مكاني تهدف إلى عزل جنوب لبنان بالكامل عن محيطه. وتتزايد المخاوف من أن تتحول هذه المناطق إلى أرض محروقة غير قابلة للحياة، مما يعقد جهود العودة الطوعية للنازحين الذين تجاوزت أعدادهم مئات الآلاف في ظل غياب الضمانات الدولية.
ختاماً، يبقى المشهد في جنوب لبنان رهيناً بالتطورات العسكرية المتسارعة والتباين في المواقف الرسمية تجاه مسار التصعيد. ومع استمرار إسرائيل في تنفيذ مخطط التهجير، تبرز الحاجة إلى موقف لبناني ودولي حازم يمنع تحويل النزوح المؤقت إلى نكبة جديدة تضاف إلى سجل الصراعات في المنطقة.





שתף את דעתך
مخطط إسرائيلي لتفريغ جنوب لبنان: تحويل أوامر الإخلاء إلى تهجير دائم