ש 30 מאי 2026 4:10 pm - שעון ירושלים

مبادرات الإفراج عن السجناء في ليبيا: بين الفرحة الإنسانية والمناورة السياسية

شهدت الساحة الليبية مؤخراً تحركات ملحوظة في ملف السجناء السياسيين، حيث أطلقت سلطات شرق ليبيا سراح نحو 250 معتقلاً دفعة واحدة. وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر قليلة من عمليات إفراج مماثلة جرت في معتقل امعيتيقة بالعاصمة طرابلس، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه المبادرات وسياقاتها السياسية.

أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء أكدت وجود دفعات إضافية سيشملها الإفراج مستقبلاً. وتندرج هذه التحركات ضمن ما يُعرف بـ 'مشروع الاستقرار الوطني' الذي تتبناه القيادة العامة، في محاولة لتخفيف الاحتقان الشعبي والحقوقي المتراكم منذ سنوات طويلة.

لا يمكن إغفال القيمة الإنسانية لهذه المبادرات، والتي تتجسد في الفرحة التي غمرت السجناء المفرج عنهم وعائلاتهم بعد سنوات من التغييب. ومع ذلك، يرى مراقبون أن الاكتفاء بالنظر إلى الجانب الإنساني فقط يعد قصوراً في فهم المشهد السياسي المعقد الذي تعيشه البلاد منذ عقود.

يعاني الملف الحقوقي في ليبيا من تدهور مستمر منذ نحو خمسين عاماً، حيث فاقت الانتهاكات كل الأوصاف القانونية والإنسانية. إن الوضع السياسي المأزوم يفرض تقييماً مختلفاً لهذه المبادرات، بعيداً عن منطق المناكفة، بهدف تثبيت قواعد صحيحة للانتقال من حالة الفوضى إلى البناء المؤسسي.

تكرر في محطات عديدة استخدام ملف السجون كأداة للتدافع بين الفرقاء السياسيين وتحقيق مكاسب آنية أو الاستجابة لضغوط خارجية ومحلية. ويظهر الخلل بوضوح عندما يُنظر إلى الإفراج عن سجناء قضوا سنوات دون محاكمات عادلة على أنه 'منة' أو تفضل من السلطة الحاكمة.

تعتبر ظاهرة الاعتقال التعسفي والحبس خارج إطار القانون من أبرز علامات التخلف السياسي وتفشي الانتهاكات في التجربة الليبية المعاصرة. ورغم أن ثورة فبراير قامت لاستعادة كرامة الليبيين، إلا أن استمرار تقييد الحريات يشير إلى تعثر تحقيق أهداف الانتقال الديمقراطي المنشود.

تطرح عمليات الإفراج التي قيل إنها تمت وفق 'ضوابط قانونية معتمدة' تساؤلات حول مرجعية هذه الضوابط وضمانات حياديتها. فالبناء المؤسسي الحقيقي يتطلب تعزيز قيم سيادة القانون وتحقيق العدالة الناجزة التي تحفظ كرامة الإنسان بعيداً عن التقديرات الأمنية الضيقة.

تشير التقارير الحقوقية إلى غياب المعايير القانونية والدستورية الحاكمة لسلوك السلطات المعنية بملف السجناء في مختلف مناطق ليبيا. حيث يشيع احتجاز المئات دون توجيه اتهامات رسمية، ويستمر حبسهم لمدد غير محددة دون إحالتهم إلى محاكم تضمن استقلال القضاء.

يلاحظ المتابعون أن إدارة ملف المعتقلين السياسيين تخضع غالباً لرؤية دوائر تنفيذية وأمنية ضيقة بعيداً عن سلطة القضاء المستقل. هذا النهج يكرس القطيعة مع القيم الإنسانية والمواثيق الدولية التي تؤسس لحماية الحقوق والحريات العامة لجميع المواطنين دون تمييز.

إن ربط حرية المعتقلين بتقديرات المصلحة السياسية للمتحكمين في المشهد يمثل خطورة كبيرة على مستقبل الاستقرار في البلاد. فإذا رأت السلطة مصلحة في الإفراج فعلت، وإذا غابت تلك المصلحة بقي السجناء خلف القضبان إلى أجل غير مسمى دون سند قانوني.

يجب التأكيد على أن امتلاء السجون بالمعتقلين السياسيين هو بحد ذاته مؤشر على أزمة عميقة تتطلب إصلاحات جذرية وشاملة. فتصحيح المسار الحقوقي لا ينتهي بمجرد إطلاق سراح دفعات من السجناء، بل يبدأ بإصلاح الهياكل السياسية والقانونية المنظمة للاعتقال.

إن غياب الإصلاح الشامل الذي يبدأ بتسوية سياسية حقيقية يعني استمرار ارتهان الحريات العامة للمصالح الأمنية والسياسية المتقلبة. فالتاريخ الليبي يحذر من تكرار تجارب سابقة أُفرج فيها عن سجناء ثم أعقبتها حملات اعتقال أشد قسوة وتنكيلاً بالمعارضين.

تستحضر الذاكرة الليبية مجزرة سجن أبوسليم الشهيرة التي راح ضحيتها أكثر من 1200 سجين سياسي كدرس قاسٍ حول غياب ضمانات الدولة. لذا فإن التأسيس لوضع مستقر يتطلب صون حقوق الليبيين في كافة الربوع عبر مؤسسات قضائية قوية ومستقلة تماماً.

في الختام، تظل الفرحة بخروج أي سجين منقوصة ما لم تكن جزءاً من منظومة عدالة انتقالية شاملة تنهي حقبة الإفلات من العقاب. إن الهدف الأسمى يجب أن يكون بناء دولة تحترم إنسانية مواطنيها وتجعل من القانون المرجعية الوحيدة والنهائية في التعامل مع ملف الحقوق والحريات.

תגים

שתף את דעתך

مبادرات الإفراج عن السجناء في ليبيا: بين الفرحة الإنسانية والمناورة السياسية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.